الآفاق السحرية للتنمية العمرانية بالمشاركة


مجلة الأهرام الإقتصادى ، القاهرة –العدد ١٨–١٤٩٣ اغسطس ١٩٩٧

لم تنل تجربة الإسماعيلية في التنمية العمرانية وهي واحدة من أهم التجارب العالمية المعاصرة ونالت العديد من الجوائز التقديرية في مسابقات محكمة من قبل الخبراء العالميين .. لم تنل الاهتمام الأكاديمي والمتخصص رغم ما تفردت به تقريباً من بين التجارب الأخرىعلي المستوي المحلي والعالمي وما امتازت به من خصائص تنمية القدرات الذاتية للمجتمع المحلي واستيعاب كل من طموحات وإمكانيات القاعدة العريضة من شرائح محدودي الدخل .. أوبمعني آخر توفير فرص حقيقية للمشاركة المجتمعية علي نطاق واسع في التنمية العمرانية بلا احتكار العمل التنفيذي تحت شعار "توفير الإسكان والخدمات للمواطنين البسطاء"... والفرق شاسع بين المفهومين : "المشاركة المجتمعية الحقيقية" كما تقلد عصاها السحرية مشروع الإسماعيلية ، وبين خطط ومشروعات التوفير التقليدية للإسكان والمرافق والخدمات التي تشكل الغالبية العظمي من سياسات الإسكان – لا في مصر فحسب ... بل وفي معظم أنحاء العالم والتي نتج عنها غالبا قصور كمي بالغ فى توفير الحد الأدنى من كافة هذه الخدمات يتناسب مع القصور الأكيد في إمكانيات أجهزة الدولة الرسمية مقارنة بالطلب الشعبي المتزايد خاصة في العقود الأخيرة.
"الإسماعيلية" في أوساط المهتمين بالفكر المعاصر للتنمية العمرانية هي سلسلة المشروعات التي تبلور فكر "المشاركة المجتمعية" المذكور ولعل من أهمها وأشهرها مشروع "حي السلام" الذي أرسي من خلال الواقع العملي فلسفة المشاركة وصبها في إطار تنفيذي ، وقد استهدف هذا المشروع الذي بدأ مع نهاية السبعينيات تحويل الواقع المضني الذي كان يعيشه مجتمع من البسطاء ومحدودي الدخل – معظمهم من النازحين من محافظات أخري وخاصة صعيد مصر – قدرت كثافته ب ٣٧ ألف نسمة في عام ١٩٧٧ استوطنوا الأطراف الصحراوية الشمالية لمدينة الإسماعيلية فيما سمي بأرض "الحكر" بما لهذه التسمية من مدلولات متعددة – وكم في ربوع مصر من واقع مضني يحاكي هذا الواقع حتى الآن .. ومن هذا الواقع المتدهور انطلق المشروع في اتجاهين : أحدهما تحسين البيئة العمرانية المتهالكة القائمة، حيث اشتملت مفردات هذا التحسين علي جوانب مختلفة، بعضها تخطيطي كتحسين النسيج العمراني وتوسيع بعض الشوارع وقطع الأراضي بما يتناسب مع متطلبات شبكات المرافق، وبعضها تنظيمي وإداري كتكوين جهاز مستقل للمشروع ولوائحه المنظمة، وبعضها تشريعي أجاد استخدام توفير الحيازات القانونية المستقرة لقطع الاراضي بالمشروع للسكان مقابل الاندماج في المشروع ، وبعضها تمويلي اعتمد علي التدرج  في توفير المرافق والخدمات
وبالتالي توفير محاور للمشاركة المبكرة من الأهالي لشراء قطع الأراضي بأسعار رمزية والتدرج في بناء مساكنهم وأنشطتهم العملية ..
 أما الاتجاه الآخر شديد الأهمية . والذي مثل بالفعل مدخلاً متميزاً شديد النجاح أيضا للربط بين خطط التحسين للمستوطنة العشوائية القائمة وبين خطط التنمية الجديدة– فكان التوسع شمالاً في الصحراء لتوفير محاور مخططة للتنمية العمرانية الجديدة بالموقع والتي بدأت أولاً باستيعاب الشريحة السكانية التي تأثرت بمخططات التحسين في المنطقة القديمة القائمة، وذلك بتوفير قطع أراضي جديدة بدلا من أراضيهم التي استخدمت في عمليات التوسيع للشوارع والخدمات، ثم امتدت محاور المشروع لتوفر متنفساً لتوسعات مدينة الاسماعيلية نفسها من خلال الافادة في التواجد العمراني والبشري القائم . وتوفير فرص عمل جديدة لمجتمع البسطاء ومتوسطي الحال الأصلي في تنمية هذه المحاور الجديدة وخلق مجتمع متجانس وضخ الحيوية في جوانبه العمرانية، كما اعتمد فكر المشروع إلي حد كبير علي الدعم التمويلي المتبادل بين حصيلة بيع الأراضي– بأسعارها الرمزية غالباً – وبين قطاع محدد لبيع الأراضي بالمزاد لتوفير الدعم الجيد للأنشطة الرئيسية بالمشروع .. والجوانب المذكورة كلها في عجالة وتبسيط مقصود تمثل فكراً عالمياً تبلور علي مدي العقود القريبة وأفرزه الواقع المتشابه الذي لا تمثل فيه أرض الحكر الأصلية بالاسماعيلية سوي حالة تكررت – وما زالت – آلاف المرات في أنحاء العالم الثالث خصوصا، لنموذج نمطي للعشوائيات !!
وقد أنتج هذا الفكر التطبيقي نجاحاً واضحاً في الحفاظ علي المعدلات العالية جدا للاستيطان المقنن والتنمية العمرانية وانطلاقة لكافة الأنشطة العمرانية والاقتصادية للمجتمع – تماثل وتفوق الاستيطان العشوائي السريع ، ناهيك عن المشروعات التقليدية "المقاولات وتسليم المفتاح" شديدة البطء ومحدودة العدد ، كما تميز المشروع بتقنين الأوضاع الفنية والتنفيذية في إطار مناسب يسهل الارتقاء به مع الوقت بلا معوقات عشوائية .. بل وتعدي المشروع في هذا الإطار المعدل السكاني المستهدف علي المدي البعيد في سنواته الأولي سابقا لكل التوقعات.
مقترح جاهز .. للتنفيذ !
من وجهة نظري الشخصية – بل ومن خلال تخصصي في مجال التنمية العمرانية – فإن أهم
أركان النجاح لهذا المشروع – الحكومي الشعبي! – لم يكن سوي توفر الإرادة السياسية لسلسلة من المسئولين التنفيذيين علي رأسهم مجموعة من السادة المحافظين تعاقبوا علي المشروع منذ نهاية السبعينيات وحتى الآن ... وهذه الإرادة السياسية بحق هي المفتاح السحري للنجاح الذي تحقق .. فمن خلالها أمكن للمسئولين التنفيذيين والاستشاريين وجموع الشرائح السكانية المتنوعة الاتجاهات أن تستثمر إمكانياتها المتبادلة بصورة مناسبة. وقد تبلورت هذه الإرادة السياسية أول ما تبلورت في أحد أهم العناصر المكونة للعمران وهو عنصرتوفيرالأراضي للمشروع ، فان يخرج السيد المحافظ من الإطار التقليدي للتعامل مع الأراضي بحسبها جزء من مشروع متكامل لا تتنازل بعض أجهزة الدولة عن دورها المزعوم في توفير الإسكان "تسليم المفتاح" فيه بنظام شركات المقاولات لهو القيمة المضافة التي أري فيها سر الإنجاز الواضح .. فان كان هناك من السادة المحافظين أو أي من أجهزة الدولة المعنية من هو علي استعداد لأن يخطو الخطوة الأولي بتوفير أراضي البناء للبسطاء بمقابل شبه مجان فقد قطعنا أكثر من نصف الطريق وفتحنا الكنز السحري للإمكانيات البشرية الهائلة لهؤلاء البسطاء .. بل ومتوسطي الدخل ، ولمن يزعمون أن المرافق لابد أن تسبق تقسيم الأراضي أقدم لهم بإحدي يدي نموذج الإسماعيلية بمرافقه المتدرجة- ولكن المخططة – وبالأخرى أشير إلي أكثر من أربعة أخماس العمران المصري المعاصر .. أقصد العشوائيات! .. ففي الأولي– الإسماعيلية – عرفنا قيمة التخطيط وأن نستوعب حركة العمران في إطار منظم يسمح بإدخال المرافق التدريجية .. وفي الأخرى – العشوائيات المعاصرة – تعلمنا درس أن العمران حركة دؤوبة لا تقف.. إن خططنا لها استوعبناها كالإسماعيلية ، وإن لم نخطط لها وانصب اهتمامنا علي المشروعات البراقة – تسليم المفتاح – فلا نلومن إلا أنفسنا إن لم يتخط نجاحنا نسبة الخمسة بالمائة فقط من حجم العمران .. فهي بالفعل حجم إمكانياتنا الرسمية وقدراتنا في أحسن حالاتها.
...وماذا بعد النيات الحسنة والمبدأ الهام لتوفيرالأراضي وقنوات المشاركة المجتمعية علي أوسع نطاق ؟ .. إن مشروع الإسماعيلية نموذج محلي رائد غني بالفعل بالتفاصيل الفنية التي أتركها لمجالها في موضع آخر ..وأهتم هنا فقط بالإطار العام الذي تم تنفيذ المشروع من خلاله، وأضعه فى صورة منظومة ثلاثية تضم علي رأسها الجانب الرسمي كالمحافظ والقيادات والكوادر التنفيذية ، وثانيها الجانب الشعبي . ولم تحظ مشروعات الإسماعيلية وقتها بالنضوج الملحوظ للكيانات المجتمعية المنظمة خارج النطاق الرسمي كالجمعيات الأهلية بصورة فعالة كما هوحادث الآن – وأخيرا الجانب الفني الذي مثله الاستشاري التخطيطي للمشروع وما توافر له من إمكانيات مساعدة نمت وتبلورت حتى كونت الجهاز الذي أدار المشروع باستقلالية مخططة وتنسيق فعال مع عنصري المنظومة الآخرين .. الأجهزة الرسمية والقطاع الشعبي المستفيد..
فإذا ما توافرت الإرادة السياسية المذكورة لدي أي من السادة المحافظين – أو المسئولين المعنيين– فإن الرسالة تكون موجهة للتنظيمات المجتمعية غير الرسمية لكى تمد يدها بالمشاركة والتفاعل الإيجابي مع هذه الإرادة السياسية .. ويبقي الدور الفني المتخصص .. وهو دور أرشح له من موقعى كمواطن و متخصص– مركز بحوث الإسكان والبناء والتخطيط العمراني – التابع لوزارة الإسكان والذي يتمتع باهتمام ورعاية السيد الوزير شخصياً – لما حظي به من ميزة التواجد البحثي الميداني والخبرة العملية اللصيقة علي مدي سنوات الثمانينيات والتسعينيات والتي تنبئ بها سابقة خبراته وأعماله المنشورة والتي تضم الأبحاث والندوات العالمية التي نظمها حول مشروع الإسماعيلية بالذات في إطار مقارن بباقي مشروعات التنمية العمرانية المحلية والعالمية .. بالإضافة إلي قدراته التدريبية العالية المدعومة بخبرات عالمية متخصصة بما يتيح المساهمة في كل من صياغة المشروع الفني وتكوين القاعدة المحلية المتخصصة من فنيين وتنفيذيين .. وذلك بالتعاون مع الجامعات والكيانات المتخصصة المحلية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق