رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية : حول الاسكـان والتنـمــيـــة الشـــامــلة

جريدة الوفد ، القاهرة ٤ سبتمبر ١٩٩٦

هذا خطاب الى السيد رئيس الجمهورية .. فكان لزاما أن يكون الخطاب موجزا وواضحا، وقد اخترت له شكل النقاط المركزة لتحقيق هذين المعيارين ، ولعل كونى اعمل باحثا فى مركز قومى للأبحاث يعفينى من حرج تحديد موقع الفكر الذى يشكل صلب هذا الخطاب من سياسات الدولة ، ويسهل بالتالى وضعه فى مصاف النقد والتطوير الذاتى لهذه السياسات ،على الأقل بحكم التخصص ، كما أن أصول هذا الفكر العلمية والعملية فى المتناول من خلال سلسلة من الأبحاث العلمية الموثقة والمتخصصة التى تشرفت بنشرها.. وأقدم بداية بايجاز بعضا من الأساسيات قطعا للطريق على أى سوء فهم اعتدت مقابلته بحكم عملى فى مجال البحث والنشر فى قضايا التنمية العمرانية : تبذل الدولة جهودا ضخمة لحل مشاكل التنمية عموما وعلى رأسها دفع التنمية العمرانية والاسكان .. ويولى السيد الرئيس هذا الموضوع اهتمامه الشخصى بوضوح لا ينكر.. ويمثل بناء الحكومة للاسكان المتكامل– على ضخامته – النسبة الاقل فى خطة توفير الاسكان، مقابل تشجيع وتيسير البناء من خلال القطاع الخاص سواء البناء للسكن أو للاستثمار، ويمثل كل من العجز عن الحصول على الاسكان أوالاضطرارللاسكان العشوائى وجهين للمشكلة الاسكانية التى مازالت على رأس مشاكل الدولة حكومة وشعبا ؛ وترتبط بمشكلة الاسكان مجموعة غير قليلة من مشاكل التنمية البشرية والاقتصادية التى تمثل عماد التقدم للدولة ورفع مستواها المعيشى..


مشروع قومى مقترح لحل مشكلة التنمية العمرانية :
 وقد قدمت من خلال مجموعة من الدراسات السابقة المنشورة تشخيصا ومعالجة مبدئية– وان حظيت بمنظور شامل ومتكامل– لمجموعة من أهم المشاكل التى تواجه جهود الحل المبذولة من قبل الحكومة والشعب على حد سواء ،أود ان انوه على فهم الخيط الرفيع بينها وبين بعض ماهو متداول من أفكار متفرقة واتجاهات متشابهة فى نفس الاتجاه تندرج تحت مسميات شديدة العمومية ( كالقول مثلا بتشجيع بناء الناس لمساكنهم بأنفسهم دون توفير أدوات عملية لهذا التشجيع المقترح ... (
وأقدم فيما يلى الخطوط الأساسية لمشروع قومى اقترحته – من موقعى كمتخصص –  لمعالجة مشاكل التنمية العمرانية والشاملة تحت عنوان "مشروع المجتمعات الايجابية " وقد قدمت بصورة أكثر تفصيلا لملامحه وفلسفته فى مقالين متتابعين منشـــورين بمجلة الاهرام الاقتصادى فى شهرى يناير وفبراير الماضيين بل وخاطبت به العديد من الجهات المعنية فى الدولة..

١ شمولية الحل :
اعتماد سياسة الاغراق بالأراضى على التوازى فى فترة زمنية محدودة  من خلال الموافقة على مبدأ تخصيص قطعة أرض لكل مواطن – بما يصب فى اطار توفير حوالى ٣٠مليون قطعة أرض من خلال خطة خمسية أولى – يتم طرح المواصفات التفصيلية لهذا التخصيص ولوازمه من مرافق من خلال التطرق لباقى العناصر المقترحة للمشروع.
٢ المشاركــة الايجابيــة بنظام فائض الوقت :
التعبئة – خاصة من الناحية الكمية – للامكانيات البشرية المهدرة من خلال تصميم وتنفيذ برامج لاستيعاب كامل فائض الوقت المتاح لدى القطاعات القادرة على العطاء سواء تلك التى تعانى من البطالة الكاملة أو المقنعة أو حتى القطاعات المنتجة ذات فائض الوقت المحدود.
٣ تكامل الانشطة :
التوفير – خاصة من الناحية النوعية –لاطار عمل يتيح الافادة من كافة الانشطة المتعلقة بادارة وتنمية الحياة اليومية المجتمعية فى صورة تكاملية مع كافة الانشطة البنائية التقليدية وذلك فى توسيع لنطاق التبادل المنفعى وقاعدة استبدال قنوات التمويل التقليدية  بقنوات أخرى مستحدثة تصب فيها الجهود المطلوبة مباشرة فى قوالب تنفيذية للتنمية العمرانية.
٤ المقياس المناسب والدمج الوظيفى للفراغات :
تعديل المقياس التقليدى الحالى لتوفير مسطحات سكنية محدودة المساحة وأخرى منفصلة خدمية أوانتاجية – وكلها تامة التنفيذ – ليصبح مقياسا اكبر فى المساحة وأشمل فى استيعاب الانشطة الممكنة والآمنة بيئيا ويحتمل بنية أساسية ذات حد أدنى قابل للامتداد المتدرج ، ويقترح فى هذا المجال توفير مساحات تبدأ من ألف متر مربع "٦قراريط" تتزامل فيها الأنشطة السكنية والتنموية كالزراعة أو الصناعة أو الانتاج الحيوانى صغيرة المقياس .

٥ استثمار التنوع فى خصائص أطراف ومكونات عملية التنمية العمرانية:
وضع نظم فعالة لتقييم واستثمار التنوع فى احتياجات وامكانيات المشاركين فى المشروع الى جانب المكونات الرئيسية من اراض ومرافق وبناء فى اطار من العدالة والتحفيز الايجابى – على العكس من المنطق التقليدى السائد لتعميم الخصائص المتوسطة لهذه الاطراف والمكونات
٦ تكامل خطط الارتقاء بالعمران القائم مع التنمية العمرانية الجديدة :
توفير محاور للاستفادة المتبادلة بين شقى التنمية العمرانية الجديدة من ناحية والتحسين للعمران القائم من ناحية اخرى من خلال تقييم عقارات هذا العمران القائم وطرحه للمبادلة الاختيارية مع الاراضى متنوعة التجهيز والبناء فى خطط المشروع الجديد – فى إطار تحفيزى – على ان تحل الحكومة محل حائزى هذه العقارات وتجيد استخدامها لتحسين وظائف البيئة العمرانية الحالية.
٧ التكامل مع الجهود الحالية مع التدرج فى التنمية العمرانية :
استغلال الكيانات والامكانيات والانشطة العمرانية المثيلة القائمة فى صورة تكاملية مع المشروع المقترح بما يشمل الامتداد بالعمران من خلال البؤرالعمرانية الحالية وبشكل متدرج على مستوى كل من التنمية العمرانية للمنطقة السكنية والنمو المتدرج للامكانيات السكنية والانتاجية لكل قطعة أرض فى المشروع .
٨ حصر وقياس الاحتياجات والامكانيات :
تصميم وتنفيذ مسح شامل لكل من الاحتياجات والامكانيات الخاصة بالمشاركين فى المشروع من خلال طرح استمارات متطورة للقياس الفعال لهذه المعلومات ونقل مبادرة المشاركة إلى القطاعات السكانية المستفيد
٩ مسح شامل للخصائص الانشائية للعمران القائم :
مقترح تكميلى فى إطار تقييم هذا العمران وتكامل خطط تحسينه مع التنمية الجديدة وخصوصا على ضوء المعطيات الجديدة للطبيعة الزلزالية النشطة .
١٠ تكامل الدور الاعلامى المتخصص النشط على المستويين العالمى والمحلى مع خطوات تنمية المقترحات البحثية والجوانب التنفيذية للمشروع :
حيث تمثل مرحلة تهيئة المناخ العام للمشروع  الجانب الاهم والمتطور باستمرار لدفع عجلة المشروع المقترح فى اطواره المختلفة، وهو دور يحتاج الى تصميم خطط متخصصة محددة الاهداف .

إلى الخطوة الاولى .. تشريع مبدئى لحل الجانب الاكبر من المشكلة
تبدأ خيوط هذا المشروع وتنتهى فى يد رئيس الدولة – بحكم الواقع والتاريخ – فى مشروع بهذا الحجم ، ولوضع الفكرة فى اطارها الصحيح قد يلزم اجراء دراسة تاريخية لمراجعة الطفرات المجتمعية التى ترتبت على مثل هذه المقترحات فى تاريخنا القريب وما يتعلق بها من تفاعلات مع المحيط السياسى والاقتصادى والتنموى للدولة بكافة جوانبها ،  ونظرة سريعة عبر التاريخ ستوضح علاقة مباشرة بين السلطة – فكرا وممارسة – وبين  توزيع الثروات – وعلى رأسها الثروات العقارية أرضا وبناء – وبين حركة تشكيل المجتمع وتقدمه . وأقرب الامثلة لذلك موجة الحراسات والتأميم واعادة توزيع الاراضى الزراعية التى قامت بها ثورة ٢٣ يوليو تحت شعار العدالة الاجتماعية وكافة الاثار الايجابية أوالسلبية التى ترتبت على ذلك حسب وجهات النظر المختلفة التى تتناول الموضوع .
وفى مشروعنا المقترح فان العنصرالاكثر تأثيراوقربا من الأذهان هو عنصر التوسع الهائل فى توزيع الاراضى على كافة فئات الشعب بلا تمييز مسبق بينهم سوى القواعد الفنية لدفع عجلة التنمية كما تتناولها المقترحات التفصيلية للمشروع . وهو عنصريمثل الحجم المقترح لتوزيع الاراضى فيه تطوراغير مسبوق لا فى تاريخ الفكر ولا السياسات الفعلية المنفذة فى مصر أوغيرها وهو روح المشروع الحقيقية والمحرك الرئيسى للتنمية المقترحة بجوانبها العمرانية والمجتمعية المختلفة لذا كان لزاما أن يستمد أقصى درجات الدعم من الدولة بشقيها الحكومى والشعبى ، ولم يكن غريبا بالتالى أن يكون المخاطب بهذا المشروع بالدرجة الاولى رئيس الدولة ورمزالسلطة والشعب على حد سواء . ويمكن لنا ان نتطلع الى غد قريب من خلال هذا المشروع الذى يحظى فيه ابسط الناس من ناحية الامكانيات بالفرصة الحقيقية لا لممارسة واقع حياتى افضل على المستوى الشخصى فحسب ولكن لمساهمة حقيقية شديدة الفعالية فى التنمية الشاملة لمجتمعنا على كافة المستويات .
ويمكن لهذا الهدف المحورى فى المشروع ان يتحقق من خلال مجموعة من الاساليب والادوات أرى أن التشريع قد يكون أقواها بصورة مبدئية ، والتشريع الناجح فى هذا الصدد هو ما يمكن من خلاله ان يقنن الفكر الجديد ويحاط بسياج يحميه من الالتفاف حوله من اى جماعات للمصالح قد تعلى من شأن افادتها دون نظر لمصالح المجموع . واذا كانت الامثلة كثيرة فى معظم قطاعات الدولة لأشكال الصراعات التى تبلوراختلاف وجهات النظر والمصالح فان الأمل كبير فى أن يحظى هذا الفكر– اذا تم قبوله –  بأشكال الدعم والحماية التشريعية كغيره من الخطوط الاساسية فى سياسة الدولة ، ومما يشجع على التفاؤل فى هذا الاطار أن المشروع المقترح قد وضع نصب عينيه تكافؤ المصالح على أوسع نطاق مما يقصر المواجهة على أى فئات تعمل عكس مصالح المجتمع ككل .
الاعمار .. التنمية .. حق للجميع .. بقانون !!
قيل فى تقديم احد التشريعات الحديثة للاسكان أن قانونا من سطرواحد بعودة العمل بالقانون المدنى سوف يحل المشكلة !.. وسأستعير هنا فقط بعضا من معنى ما قيل سابقا فى تقديم التشريع الذى اقترحه وهو ان قانونا من سطرين سوف يغير من وجه الحياة فى ربوع مصر .. راسما ابتسامة أمل على وجه كل مصرى، طاعنا للمضاربة على مستقبل هذه الامة فى مقتل .. وأقدم مباشرة القانون فى صياغة مبدئية :
يحق لكل مصرى ان يمتلك مجانا أرضا لتعميرها بمساحة ألف متر مربع كوحدة اساسية ،
من خلال نظام تفصله لائحة تنفيذية .
ولعل التأكيد الاساسى على حق كل مصرى فى إعمار الارض التى نعيش عليها هو المحور الرئيسى الذى يتم التأكيد عليه من خلال هذا القانون تاركا التفاصيل التى تحيطه للائحة تنفيذية تضم كل العناصر الفنية للمشروع المقترح والتى سبق استعراض خطوطها الرئيسية فى صدر هذه المقالة إجمالا كما سبق القاء الضوء عليها فى مقالتى"الاهرام الاقتصادى" بصورة اكثر تفصيلا... ويهمنى هنا أن أوضح أن تمويل توفير المرافق والخدمات ـ العقبة النفسية أمام أى مشروع مماثل .. وأقول نفسية بحكم تخصصى ـ هو صميم اهتمام المشروع المقترح، حيث أن احد المحاور الرئيسية هو توسيع اطار هذا التمويل ليشمل الامكانيات البشرية والمعدات الى جانب التمويل السائل .. وحيث يتم تشجيع ضخ الاستثمارات فى المشروع بصورة متكاملة مع توفير محاور البناء للاستخدام الشخصى..
ولعل القارئ الكريم يتفهم دوافع مقاومتى لاغراء الاسهاب فى شرح مقومات المشروع بالتفاصيل فى هذا المقام الذى لا يحتمل التطويل .. وبدلا من الاستطراد فى التفصيل أترك المجال لعقول وأفئدة الملايين تتصور واقعا مصريا ممكنا يتملك فيه كل مصرى متنفسا لأحلامه وطموحاته على مساحة معمورة أضعاف الواقع الحالى الذى يتجاوز الخيال فى ضاَلة انجازه على ضفتى النيل عبر ألاف السنين ، ولمن يرون فى هذا الفكر خيالا اسأل : أيهما أقرب للواقع  سعر المترالذى يتجاوزالمئات الى الالاف من الجنيهات أم الارض لمن يعمرها بنفسه أوماله أوإمكانياته ، فى بلادنا التى تتخطى نسبة الارض غيرالمأهولة فيها الـ ٩٠٪  من مسـاحتــها ؟ .. وإلى المتشككين فى قدرات المستضعفين فى الارض على البناء أقول .... تصوروا لوأن هذاالمشروع قد سبق النمو الهائل للمستوطنات العشوائية التى نتحاكى عنها الان ونتباكى .. ولوأنه قد قدرلهذا المشروع أن يستوعب تلك الطاقات البشرية والتمويلية الهائلة التى اهدرت ولا تزال.. ولوأن قانونا كهذا المقترح كان اختيارا أمام من بنى على ثلاثين أوأربعين مترا عشة من صفيح أو بناء من خرسانة بلا تخطيط بعرقه وقوت عياله .. أى مصر تلك التى كنا سنعيشها ؟؟
وإلى السيد الرئيس الذى لا تعوزنى الكلمات للتعريف بجهده واهتمامه بهذا القطاع الحيوىأتوجه بالنداء لتشجيع المشارك بجهده وامكانياته وتوفير الفرص له بصورة متكاملة مع جهودكم المشهودة فى تشجيع المستثمر، فقطاع غير المستثمرين أضعاف قطاع المستثمرين الذى يخترقه فى أحيان كثيرة المضاربون والمغامرون.. وقد سعدنا بخطة للحكومة للتنمية العمرانية الهائلة ومضاعفة المساحة المعمورة  التى بشرنا بها بالامس القريب .. ونود أن نرى فيها مكانا لشاب يملك إمكانياته العملية غير التمويلية فقط .. وهذا الشاب يمثل الملايين من شباب مصر الذى يحتل منا جميعا مكان القلب من الجسد..
ومن أجله أثق فى دعم سيادتكم على رأس كل مخلص فى بلادنا لهذا الفكر.. افتح ياسيادة الرئيس حسابا فى بنك الاراضى هدية لكل مصرى.. وضع فيه ألف متر من الاراض.. وسنرى ملايين الابداعات فى إطار مقنن ومخطط للتنمية على اسس من المقياس الصغير فى مصر.. وستسمع بقلبك المصريين يدعون لك كما لم يدعوا  لأحد من قبل.. وهل هذا قليل؟؟.. فهل ينام المصريون يحلمون .. ويستيقظون على واقع جديد صار الكل فيه ملاكا لأرض بلادهم وجنودا فى معركة التنمية وعلى اعتاب القرن الجديد.. لن أذيع سرا إن قلت أن السيد الرئيس بيده تحقيق هذا الحلم !!.. وقريبا جدا إن شاء الله تعالى..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق