رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الجمهورية : حول الاسكـان والتنـمــيـــة الشـــامــلة

جريدة الوفد ، القاهرة ٤ سبتمبر ١٩٩٦

هذا خطاب الى السيد رئيس الجمهورية .. فكان لزاما أن يكون الخطاب موجزا وواضحا، وقد اخترت له شكل النقاط المركزة لتحقيق هذين المعيارين ، ولعل كونى اعمل باحثا فى مركز قومى للأبحاث يعفينى من حرج تحديد موقع الفكر الذى يشكل صلب هذا الخطاب من سياسات الدولة ، ويسهل بالتالى وضعه فى مصاف النقد والتطوير الذاتى لهذه السياسات ،على الأقل بحكم التخصص ، كما أن أصول هذا الفكر العلمية والعملية فى المتناول من خلال سلسلة من الأبحاث العلمية الموثقة والمتخصصة التى تشرفت بنشرها.. وأقدم بداية بايجاز بعضا من الأساسيات قطعا للطريق على أى سوء فهم اعتدت مقابلته بحكم عملى فى مجال البحث والنشر فى قضايا التنمية العمرانية : تبذل الدولة جهودا ضخمة لحل مشاكل التنمية عموما وعلى رأسها دفع التنمية العمرانية والاسكان .. ويولى السيد الرئيس هذا الموضوع اهتمامه الشخصى بوضوح لا ينكر.. ويمثل بناء الحكومة للاسكان المتكامل– على ضخامته – النسبة الاقل فى خطة توفير الاسكان، مقابل تشجيع وتيسير البناء من خلال القطاع الخاص سواء البناء للسكن أو للاستثمار، ويمثل كل من العجز عن الحصول على الاسكان أوالاضطرارللاسكان العشوائى وجهين للمشكلة الاسكانية التى مازالت على رأس مشاكل الدولة حكومة وشعبا ؛ وترتبط بمشكلة الاسكان مجموعة غير قليلة من مشاكل التنمية البشرية والاقتصادية التى تمثل عماد التقدم للدولة ورفع مستواها المعيشى..


مشروع قومى مقترح لحل مشكلة التنمية العمرانية :
 وقد قدمت من خلال مجموعة من الدراسات السابقة المنشورة تشخيصا ومعالجة مبدئية– وان حظيت بمنظور شامل ومتكامل– لمجموعة من أهم المشاكل التى تواجه جهود الحل المبذولة من قبل الحكومة والشعب على حد سواء ،أود ان انوه على فهم الخيط الرفيع بينها وبين بعض ماهو متداول من أفكار متفرقة واتجاهات متشابهة فى نفس الاتجاه تندرج تحت مسميات شديدة العمومية ( كالقول مثلا بتشجيع بناء الناس لمساكنهم بأنفسهم دون توفير أدوات عملية لهذا التشجيع المقترح ... (
وأقدم فيما يلى الخطوط الأساسية لمشروع قومى اقترحته – من موقعى كمتخصص –  لمعالجة مشاكل التنمية العمرانية والشاملة تحت عنوان "مشروع المجتمعات الايجابية " وقد قدمت بصورة أكثر تفصيلا لملامحه وفلسفته فى مقالين متتابعين منشـــورين بمجلة الاهرام الاقتصادى فى شهرى يناير وفبراير الماضيين بل وخاطبت به العديد من الجهات المعنية فى الدولة..

١ شمولية الحل :
اعتماد سياسة الاغراق بالأراضى على التوازى فى فترة زمنية محدودة  من خلال الموافقة على مبدأ تخصيص قطعة أرض لكل مواطن – بما يصب فى اطار توفير حوالى ٣٠مليون قطعة أرض من خلال خطة خمسية أولى – يتم طرح المواصفات التفصيلية لهذا التخصيص ولوازمه من مرافق من خلال التطرق لباقى العناصر المقترحة للمشروع.
٢ المشاركــة الايجابيــة بنظام فائض الوقت :
التعبئة – خاصة من الناحية الكمية – للامكانيات البشرية المهدرة من خلال تصميم وتنفيذ برامج لاستيعاب كامل فائض الوقت المتاح لدى القطاعات القادرة على العطاء سواء تلك التى تعانى من البطالة الكاملة أو المقنعة أو حتى القطاعات المنتجة ذات فائض الوقت المحدود.
٣ تكامل الانشطة :
التوفير – خاصة من الناحية النوعية –لاطار عمل يتيح الافادة من كافة الانشطة المتعلقة بادارة وتنمية الحياة اليومية المجتمعية فى صورة تكاملية مع كافة الانشطة البنائية التقليدية وذلك فى توسيع لنطاق التبادل المنفعى وقاعدة استبدال قنوات التمويل التقليدية  بقنوات أخرى مستحدثة تصب فيها الجهود المطلوبة مباشرة فى قوالب تنفيذية للتنمية العمرانية.
٤ المقياس المناسب والدمج الوظيفى للفراغات :
تعديل المقياس التقليدى الحالى لتوفير مسطحات سكنية محدودة المساحة وأخرى منفصلة خدمية أوانتاجية – وكلها تامة التنفيذ – ليصبح مقياسا اكبر فى المساحة وأشمل فى استيعاب الانشطة الممكنة والآمنة بيئيا ويحتمل بنية أساسية ذات حد أدنى قابل للامتداد المتدرج ، ويقترح فى هذا المجال توفير مساحات تبدأ من ألف متر مربع "٦قراريط" تتزامل فيها الأنشطة السكنية والتنموية كالزراعة أو الصناعة أو الانتاج الحيوانى صغيرة المقياس .

٥ استثمار التنوع فى خصائص أطراف ومكونات عملية التنمية العمرانية:
وضع نظم فعالة لتقييم واستثمار التنوع فى احتياجات وامكانيات المشاركين فى المشروع الى جانب المكونات الرئيسية من اراض ومرافق وبناء فى اطار من العدالة والتحفيز الايجابى – على العكس من المنطق التقليدى السائد لتعميم الخصائص المتوسطة لهذه الاطراف والمكونات
٦ تكامل خطط الارتقاء بالعمران القائم مع التنمية العمرانية الجديدة :
توفير محاور للاستفادة المتبادلة بين شقى التنمية العمرانية الجديدة من ناحية والتحسين للعمران القائم من ناحية اخرى من خلال تقييم عقارات هذا العمران القائم وطرحه للمبادلة الاختيارية مع الاراضى متنوعة التجهيز والبناء فى خطط المشروع الجديد – فى إطار تحفيزى – على ان تحل الحكومة محل حائزى هذه العقارات وتجيد استخدامها لتحسين وظائف البيئة العمرانية الحالية.
٧ التكامل مع الجهود الحالية مع التدرج فى التنمية العمرانية :
استغلال الكيانات والامكانيات والانشطة العمرانية المثيلة القائمة فى صورة تكاملية مع المشروع المقترح بما يشمل الامتداد بالعمران من خلال البؤرالعمرانية الحالية وبشكل متدرج على مستوى كل من التنمية العمرانية للمنطقة السكنية والنمو المتدرج للامكانيات السكنية والانتاجية لكل قطعة أرض فى المشروع .
٨ حصر وقياس الاحتياجات والامكانيات :
تصميم وتنفيذ مسح شامل لكل من الاحتياجات والامكانيات الخاصة بالمشاركين فى المشروع من خلال طرح استمارات متطورة للقياس الفعال لهذه المعلومات ونقل مبادرة المشاركة إلى القطاعات السكانية المستفيد
٩ مسح شامل للخصائص الانشائية للعمران القائم :
مقترح تكميلى فى إطار تقييم هذا العمران وتكامل خطط تحسينه مع التنمية الجديدة وخصوصا على ضوء المعطيات الجديدة للطبيعة الزلزالية النشطة .
١٠ تكامل الدور الاعلامى المتخصص النشط على المستويين العالمى والمحلى مع خطوات تنمية المقترحات البحثية والجوانب التنفيذية للمشروع :
حيث تمثل مرحلة تهيئة المناخ العام للمشروع  الجانب الاهم والمتطور باستمرار لدفع عجلة المشروع المقترح فى اطواره المختلفة، وهو دور يحتاج الى تصميم خطط متخصصة محددة الاهداف .

إلى الخطوة الاولى .. تشريع مبدئى لحل الجانب الاكبر من المشكلة
تبدأ خيوط هذا المشروع وتنتهى فى يد رئيس الدولة – بحكم الواقع والتاريخ – فى مشروع بهذا الحجم ، ولوضع الفكرة فى اطارها الصحيح قد يلزم اجراء دراسة تاريخية لمراجعة الطفرات المجتمعية التى ترتبت على مثل هذه المقترحات فى تاريخنا القريب وما يتعلق بها من تفاعلات مع المحيط السياسى والاقتصادى والتنموى للدولة بكافة جوانبها ،  ونظرة سريعة عبر التاريخ ستوضح علاقة مباشرة بين السلطة – فكرا وممارسة – وبين  توزيع الثروات – وعلى رأسها الثروات العقارية أرضا وبناء – وبين حركة تشكيل المجتمع وتقدمه . وأقرب الامثلة لذلك موجة الحراسات والتأميم واعادة توزيع الاراضى الزراعية التى قامت بها ثورة ٢٣ يوليو تحت شعار العدالة الاجتماعية وكافة الاثار الايجابية أوالسلبية التى ترتبت على ذلك حسب وجهات النظر المختلفة التى تتناول الموضوع .
وفى مشروعنا المقترح فان العنصرالاكثر تأثيراوقربا من الأذهان هو عنصر التوسع الهائل فى توزيع الاراضى على كافة فئات الشعب بلا تمييز مسبق بينهم سوى القواعد الفنية لدفع عجلة التنمية كما تتناولها المقترحات التفصيلية للمشروع . وهو عنصريمثل الحجم المقترح لتوزيع الاراضى فيه تطوراغير مسبوق لا فى تاريخ الفكر ولا السياسات الفعلية المنفذة فى مصر أوغيرها وهو روح المشروع الحقيقية والمحرك الرئيسى للتنمية المقترحة بجوانبها العمرانية والمجتمعية المختلفة لذا كان لزاما أن يستمد أقصى درجات الدعم من الدولة بشقيها الحكومى والشعبى ، ولم يكن غريبا بالتالى أن يكون المخاطب بهذا المشروع بالدرجة الاولى رئيس الدولة ورمزالسلطة والشعب على حد سواء . ويمكن لنا ان نتطلع الى غد قريب من خلال هذا المشروع الذى يحظى فيه ابسط الناس من ناحية الامكانيات بالفرصة الحقيقية لا لممارسة واقع حياتى افضل على المستوى الشخصى فحسب ولكن لمساهمة حقيقية شديدة الفعالية فى التنمية الشاملة لمجتمعنا على كافة المستويات .
ويمكن لهذا الهدف المحورى فى المشروع ان يتحقق من خلال مجموعة من الاساليب والادوات أرى أن التشريع قد يكون أقواها بصورة مبدئية ، والتشريع الناجح فى هذا الصدد هو ما يمكن من خلاله ان يقنن الفكر الجديد ويحاط بسياج يحميه من الالتفاف حوله من اى جماعات للمصالح قد تعلى من شأن افادتها دون نظر لمصالح المجموع . واذا كانت الامثلة كثيرة فى معظم قطاعات الدولة لأشكال الصراعات التى تبلوراختلاف وجهات النظر والمصالح فان الأمل كبير فى أن يحظى هذا الفكر– اذا تم قبوله –  بأشكال الدعم والحماية التشريعية كغيره من الخطوط الاساسية فى سياسة الدولة ، ومما يشجع على التفاؤل فى هذا الاطار أن المشروع المقترح قد وضع نصب عينيه تكافؤ المصالح على أوسع نطاق مما يقصر المواجهة على أى فئات تعمل عكس مصالح المجتمع ككل .
الاعمار .. التنمية .. حق للجميع .. بقانون !!
قيل فى تقديم احد التشريعات الحديثة للاسكان أن قانونا من سطرواحد بعودة العمل بالقانون المدنى سوف يحل المشكلة !.. وسأستعير هنا فقط بعضا من معنى ما قيل سابقا فى تقديم التشريع الذى اقترحه وهو ان قانونا من سطرين سوف يغير من وجه الحياة فى ربوع مصر .. راسما ابتسامة أمل على وجه كل مصرى، طاعنا للمضاربة على مستقبل هذه الامة فى مقتل .. وأقدم مباشرة القانون فى صياغة مبدئية :
يحق لكل مصرى ان يمتلك مجانا أرضا لتعميرها بمساحة ألف متر مربع كوحدة اساسية ،
من خلال نظام تفصله لائحة تنفيذية .
ولعل التأكيد الاساسى على حق كل مصرى فى إعمار الارض التى نعيش عليها هو المحور الرئيسى الذى يتم التأكيد عليه من خلال هذا القانون تاركا التفاصيل التى تحيطه للائحة تنفيذية تضم كل العناصر الفنية للمشروع المقترح والتى سبق استعراض خطوطها الرئيسية فى صدر هذه المقالة إجمالا كما سبق القاء الضوء عليها فى مقالتى"الاهرام الاقتصادى" بصورة اكثر تفصيلا... ويهمنى هنا أن أوضح أن تمويل توفير المرافق والخدمات ـ العقبة النفسية أمام أى مشروع مماثل .. وأقول نفسية بحكم تخصصى ـ هو صميم اهتمام المشروع المقترح، حيث أن احد المحاور الرئيسية هو توسيع اطار هذا التمويل ليشمل الامكانيات البشرية والمعدات الى جانب التمويل السائل .. وحيث يتم تشجيع ضخ الاستثمارات فى المشروع بصورة متكاملة مع توفير محاور البناء للاستخدام الشخصى..
ولعل القارئ الكريم يتفهم دوافع مقاومتى لاغراء الاسهاب فى شرح مقومات المشروع بالتفاصيل فى هذا المقام الذى لا يحتمل التطويل .. وبدلا من الاستطراد فى التفصيل أترك المجال لعقول وأفئدة الملايين تتصور واقعا مصريا ممكنا يتملك فيه كل مصرى متنفسا لأحلامه وطموحاته على مساحة معمورة أضعاف الواقع الحالى الذى يتجاوز الخيال فى ضاَلة انجازه على ضفتى النيل عبر ألاف السنين ، ولمن يرون فى هذا الفكر خيالا اسأل : أيهما أقرب للواقع  سعر المترالذى يتجاوزالمئات الى الالاف من الجنيهات أم الارض لمن يعمرها بنفسه أوماله أوإمكانياته ، فى بلادنا التى تتخطى نسبة الارض غيرالمأهولة فيها الـ ٩٠٪  من مسـاحتــها ؟ .. وإلى المتشككين فى قدرات المستضعفين فى الارض على البناء أقول .... تصوروا لوأن هذاالمشروع قد سبق النمو الهائل للمستوطنات العشوائية التى نتحاكى عنها الان ونتباكى .. ولوأنه قد قدرلهذا المشروع أن يستوعب تلك الطاقات البشرية والتمويلية الهائلة التى اهدرت ولا تزال.. ولوأن قانونا كهذا المقترح كان اختيارا أمام من بنى على ثلاثين أوأربعين مترا عشة من صفيح أو بناء من خرسانة بلا تخطيط بعرقه وقوت عياله .. أى مصر تلك التى كنا سنعيشها ؟؟
وإلى السيد الرئيس الذى لا تعوزنى الكلمات للتعريف بجهده واهتمامه بهذا القطاع الحيوىأتوجه بالنداء لتشجيع المشارك بجهده وامكانياته وتوفير الفرص له بصورة متكاملة مع جهودكم المشهودة فى تشجيع المستثمر، فقطاع غير المستثمرين أضعاف قطاع المستثمرين الذى يخترقه فى أحيان كثيرة المضاربون والمغامرون.. وقد سعدنا بخطة للحكومة للتنمية العمرانية الهائلة ومضاعفة المساحة المعمورة  التى بشرنا بها بالامس القريب .. ونود أن نرى فيها مكانا لشاب يملك إمكانياته العملية غير التمويلية فقط .. وهذا الشاب يمثل الملايين من شباب مصر الذى يحتل منا جميعا مكان القلب من الجسد..
ومن أجله أثق فى دعم سيادتكم على رأس كل مخلص فى بلادنا لهذا الفكر.. افتح ياسيادة الرئيس حسابا فى بنك الاراضى هدية لكل مصرى.. وضع فيه ألف متر من الاراض.. وسنرى ملايين الابداعات فى إطار مقنن ومخطط للتنمية على اسس من المقياس الصغير فى مصر.. وستسمع بقلبك المصريين يدعون لك كما لم يدعوا  لأحد من قبل.. وهل هذا قليل؟؟.. فهل ينام المصريون يحلمون .. ويستيقظون على واقع جديد صار الكل فيه ملاكا لأرض بلادهم وجنودا فى معركة التنمية وعلى اعتاب القرن الجديد.. لن أذيع سرا إن قلت أن السيد الرئيس بيده تحقيق هذا الحلم !!.. وقريبا جدا إن شاء الله تعالى..

بين الهرولة والتورط العقارى !


مجلة الاهرام الاقتصادى ، القاهرة ، العدد –٥ –١٤١٣  فبراير ١٩٩٦

أخيراً ... وعندما صرح بذلك رئيس الدولة شخصياً – بدأت النظرة التي يرى بها البعض الإسكان النمطي تتغير ، فاكتسبت هذه النظرة أبعاداً معنوية جديدة ، وإن أثرت هذه الأبعاد بصورة غيرمباشرة على عناصر مادية أيضاً، وبدأ الحديث يتناثر عن رتابة وكآبة التصميم المعماري لمشروعات الإسكان النمطية – التي تتشابه تصميمات وواجهات وتشطيبات العمارات السكنية فيها – ، وهو حديث قديم في أوساط المعماريين والمتخصصين ، وإن خفت موازينه مقابل قوى القرار السياسي على مدى عقود مضت ، والتى تسلحت بدورها بمنطق الجدوى الاقتصادية أحياناً والعدالة الاجتماعية أحياناً أخرى ... والنتيجة المنطقية كانت فيضاً من التعديلات المتنوعة التي يدخلها السكان على مساكنهم مع تنوع إمكانياتهم واحتياجاتهم، ولكنها للأسف – في أحيان كثيرة –  كانت غرساً باهظ التكاليف على الناس في تربة غير صالحة ، فلم تصمم هذه المباني السكنية أصلاً لتستوعب تعديلات أوإضافات،  لا إنشائياً ولا جمالياً في أغلب الأحوال ، ناهيك عن عدم استطلاع اتجاهات التعديل المطلوبة من قبل ووضع الخطوط العريضة للتنوع في هذه الاتجاهات موضع الاعتبار ...
في مشروعنا المقترح ، لا أظن أنني في احتياج إلى طول شرح عن أهمية التقييم المسبق للتنوع في إمكانيات واحتياجات المشاركين في المشروع، فقد آثرنا مجموعة من اتجاهات التنوع على مدى استعراضنا للنقاط السابقة . فالتنوع يصب في ثلاثة قنوات رئيسية هي مرادفات عناصر المشروع : الأرض – البشر – الإمكانيات التمويلية المساعدة ، والتنوع في عنصرالأرض يشمل مواقع البناء بتدرج في مستويات هذا التنوع ، من موقع المنطقة ككل وعلاقتها بالعمران القائم إلى خصا ئصها الطبيعية وامتيازاتها الاستثمارية وهكذا ، كما يشمل هذا التنوع خصائص البناء ذاته من مواصفات المساحة المسموحة والارتفاعات وما إلى ذلك،  ويشمل أيضاً عنصر توقيتات البناء فبالرغم من استهداف الإنجاز الفوري للمرحلة الأولى من المشروع إلا أن توقيتات إتمام البناء على مدى عدة سنوات –  قليلة ! – في إطار مبدأ شمولية الحل لا يزال يسمح بإدراج عنصرالتوقيت المتوقع للبناء من ضمن عناصر التنوع المطلوب إدراجها ضمن اهتماماتنا المذكورة ، فالتجانس في توقيتات البناء و مدى سرعتها هو أحد مقاييس هذا التنوع . أما عن التنوع الذي يعنينا في العنصر البشري فهو قائم على العلاقة بين هذا العنصر البشري وبين نمو المشروع ، وذلك في إطار مقصود من تنشيط التفاعل بين البشر والتنمية ، وأهم أركان التنوع في هذا العنصر البشري كما أوردناها : التخصصات العملية ، المشاركة والخبرات السابقة ،المهارات المكتسبة والوقت المعطى . وذلك كله في إطار من مفهوم المشاركة الإيجابية بنظام فائض الوقت تحت مظلة تكامل الأنشطة المشار إليها . وثالث عناصر التنوع وهو الإمكانيات التمويلية المساعدة ونقصد به توسيع إطار التمويل التقليدي السائل – بدرجاته من التسهيلات – ، ليشمل إلى جانب ذلك المقومات المادية الممكن إحلالها محل هذا التمويل التقليدي، ويشمل ذلك – بطريقة مشابهة لنظام استبدالنا القوى البشرية بالتمويل – المعدات والأجهزة والتسهيلات التي يمكن أن تضيف إلى المشروع ويسهل معادلتها بحجم مماثل من التمويل . ويمكننا أن نتوسع أكثر في هذا المفهوم للإمكانيات التمويلية من خلال دمج نظام التمويل المشار إليه للمجتمعات الجديدة بنظم تطوير المجتمعات القائمة – مما سيأتي ذكره تفصيلاً لاحقاً للأهمية – ... والأمثلة كثيرة لشرح عناصر التنوع المعنية على مستوى المنظومة الثلاثية المذكورة ...
هذا عن التنوع ... أما عن نظم تقييمه فالمقصود هو رسم خريطة فعلية أومجازية – بمساعدة نظم المعلومات والنظم الجغرافية الحديثة باستخدام الكمبيوتر – من عدة طبقات ، تحمل كل طبقة منها أحد مقومات التقييم لكل من عناصر المنظومة الثلاثية المذكورة . فحصيلة توقيع القيمة التقديرية لبند الموقع العام للمنطقة في أولى الطبقات – القرب من العمران القائم أو المنطقة التجارية المقترحة مثلاً – ، ويليها في الطبقة التالية الموقع المميز للقطعة المحددة – ناصية أو شارع رئيسي مثلا – ، ويليها الخصائص الطبيعية – التوجيه المناخي للقطعة على البحري مثلاً – ، وهكذا ... تؤدي جميعها إلى رسم صورة أكثر وضوحاً وعدالة للقيمة التقديرية لكل قطعة أرض في المشروع المقترح ، وذلك في إطار مقارن بباقي القطع .. وبالمثل يمكن تقييم كلا من المساهمة البشرية المتخصصة والإمكانيات التمويلية المساعدة بنظام الطبقات المشار إليه لكل من عناصر التنوع المذكورة آنفا ... والحصيلة الإجمالية هي تقدير أكثر اقتراباً للواقع والعدالة المستهدفة لكلا من المشاركين في المشروع –بتخصصاتهم وإمكانياتهم – والأراضي التي سيحصلون عليها ....
هذا عن العدالة ... أما عن التحفيز الإيجابي – كجزء من العدالة المستهدفة – فالمقصود هو وزن الأمور بمنطق إيجابي يدفع عجلة الإنتاج وينشط التفاعل المستهدف بين البشر والإمكانيات والأرض ، فالتوازن المستهدف بين العناصر المذكورة لابد أن يضم في طياته حوافز التنمية كسرعة البناء والإنتاج وكجذب التخصصات النادرة المطلوبة وتنشيط التخصيص في هذه الاتجاهات وغير ذلك من مقومات إيجابية للمشروع ...
العمران القائم : بين التورط العقاري والهرولة العقارية وتكامل خطط الارتقاء

ترى هل هناك من لا زال مستمراً في قراءة هذه الورقة من قطاع المضاربين على العقارات الذين عنتهم أولى النقاط المطروحة بخصوص شمولية الحل الذي يساهم في القضاء على المضاربة السلبية التي تروح ضحيتها آمال أجيال من شباب مصر !! .. أرجو ذلك .. وإليهم – خصوصا– أتوجه بهذا الاجتهاد لاستكمال الصورة الشاملة المستهدفة لحل مشكلة الإسكان القائم والمستجد .. وأسألهم الصبر حتى نهاية الورقة ..

تنقسم المشكلة إلى قسمين رئيسيين: أولهما ما يخص أولئك الذين تورطوا في استثمار أموالهم في التنمية العقارية على مدى عقود من القرن العشرين تنتهي بصدور القوانين المقيدة للعائد الإيجاري وخاصة في الستينيات ، وهم – كما هو معروف – ملاك لعقارات لا يغطي عائدها الحالي تكاليف صيانتها ناهيك عن تحقيق هامش ربح لا يذكر، وقد كان هؤلاء الملاك العقاريين يتصورون أنهم باستثمارهم العقاري هذا قد وفروا رقيا بالمستوى المادي لأسرهم وتحصينا من تقلبات الزمان ، ولكن تأتي الريح بما لا تشتهي السفن ، فقد اندمجت هذه الطبقة من الملاك بصورة كبيرة مع طبقة المستأجرين المفترض أنهم أقل دخلاً – بدلالة عجزهم عن البناء لأنفسهم في ذلك الوقت – ، وشكلت الطبقتان سوياً طبقة واحدة متجانسة تعاني من نفس المشاكل المعيشية ، ويتفاوت توصيفها بين متوسطي ومحدودي الدخل حسب أصولها الرأسمالية الأخرى وعوائدها الاستثمارية ... وقد ارتأت الحكومة ومعها فريق من المنظرين وأصحاب المصالح المباشرة من طبقة المستأجرين أنه من العدالة أن تبقى الأوضاع على ما هو عليه !! وصارت المشكلة من المشاكل المزمنة المستعصية على العلاج لضررها الفادح على الطرفين وصعوبة زحزحة الموقف بصورة تقليدية دون حدوث خسائر اجتماعية فادحة ... !! وأنا أرى أن هناك فرصة سانحة من خلال المشروع المقترح ليس لإعادة الحقوق لأصحابها – من الطرفين – فحسب .. ولكن- وهذا منطق الفكر الذي يبلوره
المشروع المقترح منذ البداية – لاستثمار الطاقات الكامنة لدى كلا الطرفين – بشرية ومادية – في اتجاه إيجابي ... فيقترح طبقاً لهذا أن تتاح الفرصة لهذه الفئة من الشعب لاستبدال أوضاعهم الحالية – مصدر الشكوى – مع الحكومة من خلال نظام توزيع الأراضي المقترح ، والمقصود أن يتم – طبقاً لقواعد واقعية .. بل وتحفيزية في نفس الوقت – تقييم الوضع الإيجاري أو الملكية الخاصة بالعقارات القديمة المذكورة ، وتقدير المقابل المناسب ، الذي يتم إدراجه بالتالي في الخريطة العمرانية الجديدة المقترحة على شكل مساحات من الأراضي يتوفر لها قدراً من المرافق وربما البناء – خصوصاً إذا ما صاحب هذا الاستبدال أياً من صور المشاركة البشرية و المادية المصنفة في مشروعنا المقترح – ، وذلك بما يتفق مع القيمة التقديرية – العادلة – لعقارهم السابق الذي يؤول إلى الحكومة في هذه الحالة – ، ولعل المنطق يقول أيضاً بأن الوحدة القابلة للتداول في هذه الحالة بين الحكومة والشعب تكون العقار الأصلي كاملاً ، ويمثله اتحاد يمثل كل من الملاك والمستأجرين – . فإذا ما طرح هذا الاختيار أمام المجتمع ، فقد حققنا بديلاً تعويضياً مناسباً للناس من جهة ، و تفريغاً اختيارياً للعمران القائم من جهة أخرى ، والذي ينتقل بدوره إلى الحكومة تتصرف فيه كيفما تشاء ... تدعم به خدماتها  أو تزيل ما تراه واجب الإزالة ، وتطور بالتالي وجه هذا العمران بعد ضبط كثافته ... تتيح من خلاله مشروعاً حقيقياً للتطويرالعمراني بكافة معانيه ، مما يصلح أن نناقشه تفصيلياً لاحقاً ... ولشرح أحد جوانب فكرة التحفيزالإيجابي في هذا المجال نضرب مثلاً واقعياً بالفكر التقليدي المطروح في تحسين بيئة عمرانية تقع في مناطق أثرية لا تقدر محتوياتها الأثرية بثمن لما تمثله من تراث للبشرية كلها – كالقاهرة الفاطمية ، منطقة الأهرامات ، الأقصر ، ... – ... فنرى احتمالات كثيرة : الحكومة التي تجبر الناس على التهجير الجماعي وإخلاء الإسكان العشوائي – من أي وجهة نظر – القائم ... أراها حكومة واهمة وقصيرة النظر ولن تعيش خططها طويلاً ، .. الحكومة التي تستغرق الوقت كله في الدراسة للمشروع ورفع الشعارات من غير تقدم فعلي يذكر ... أراها حكومة تعيش بنظرية الاعتماد على موت جحا أودابته ، .. الحكومة التي تعطي للسكان مقابلاً عادلا من أراضي أوتعويضات أومباني ... أراها حكومة عادلة وذكية ... وهي المقصودة بالتحفيز الإيجابي المستهدف ... فأنا أتساءل بصدق ... لم لا تتوفر لهؤلاء الناس بدائل سكنية – من خلال نظام الأراضي و المباني المقترح – أرقى بكثير مما سيعطونه ، وأيضاً محوراً للاستثمار المتبادل لعرض نشاطهم الحرفي في مناطقهم الأصلية بل وسهما في شركة على مستوى عالمي لإدارة النشاط السياحي الثقافي والتاريخي الذي يحل محل إسكانهم القديم والمتوارث في هذه المناطق ... !! .. أراه استثماراً رابحاً لكل الأطراف ... وإذا ما وجد هذا الفكر لحل المشاكل المزمنة للقطاعات الضخمة من المجتمع – كملاك ومستأجري الإسكان القديم – بعضاً من آذان صاغية فسيشجعني ذلك على طرح أفكار مماثلة في هذا الاتجاه لحل مشاكل مشابهة مزمنة ، كتعويض مساهمي شركات توظيف الأموال من خلال إعطائهم مزايا نسبية تكافئ حجم إيداعاتهم وأرباحها – بل وتعويضاً عن حرق أعصابهم – من خلال نظام توزيع الأراضي المقترح المقترن بتشجيع مساهمتهم البشرية والمادية .. ، كذا البنوك الخاسرة ، أو قضايا تعويض الحراسات القديمة ،أوالأوقاف – ذات حالات الإيجار أو وضع اليد على هذه الأراضي-  أو أيا من المشاكل التي نرى فيها تنازعاً بين مستحقين مختلفين ولكل وجهة نظر جديرة بالاحترام ... وحيث تؤول الأصول الخاصة بهذه المشاكل إلى الحكومة بمقابل مغر من الأراضي الموزعة بالنظام المقترح بدلاً من معارض الرد العيني مثلاً – ولو بصورة جزئية اختيارية – ...
 نرجوها عدالة – لهذا العصر – مفتوحة العينين ومتفتحة العقل ومتوثبة الحواس ومتطلعة للأفضل ... نرجوها عدالة طموحة ... لا تكتفي بقسمة الغرماء ... – ورجالها بإذن الله تعالى أهل لذلك كله ... – ... وإلى تفاصيل الاقتراح في موضع آخر ... !!
هذا عن التورط العقاري بأشكاله المتنوعة ... فماذا عن الهرولة العقارية ؟؟
بداية فالهرولة العقارية هي مصطلح مجلة "الأهرام الاقتصادي" ، وتطلق على ظاهرة التوجه الرهيب لاستثمارات البنوك وأقطاب الصناعة والتجارة والمال إلى الاستثمار العقاري  مما يخشى معه أن ينقلب هذا الاستثمار بدوره إلى توريط عقاري بشكل أو بآخر ... !! ... وأظن قطاعاً ملموساً من المهرولين ينتمي بشكل أو بآخر إلى المضاربين السلبيين المذكورين في صدر الورقة ثم صدر هذه الجزئية بالذات . وأنا لا أستطيع القول بأن هذه الشريحة قد انفصلت بتوجهاتها عن الوضع العام للدولة ، فهي شريحة تعمل في ظل نظام رسمي ومجتمعي يدفع بالاستثمارات في هذا الاتجاه ، تحت مظلة تشريعية وفرتها الدولة ، من خلال ثغرات قوانينها أحياناً ، أوتشريعاتها المقننة " لحرية عدم التنمية " أحياناً أخرى ... والتحول في توجهات هذا القطاع لن يتم بالموعظة الأخلاقية وحدها عن واجبات المستثمر الغنى تجاه جيرانه من محدودي الدخل ، ولا بإشهار سيف التخويف أيضاً ، بل إن الواقع يقول بأن التوجهات الرسمية للدولة – بقوانينها وتشريعاتها وحركة استثماراتها وأولويات التنمية لديها – هي القائد والمحرك في طليعة حركة رأس المال الخاص ... والمطلوب هو رسم إطار يسمح بأقصى استثمار لهذه الهرولة العقارية وملياراتها المنفقة في تكامل مع باقي قطاعات التنمية والإسكان لمحدودي ومتوسطي الدخل موضع الاهتمام الأول في هذا المشروع من ناحية ومع قطاعات التنمية النوعية الأخرى كالسياحة التاريخية وجذب رؤوس الأموال العالمية وما إلى ذلك من توجهات رسمية على مستوى الدولة من ناحية أخرى ... فأما عن التكامل مع التنمية العمرانية لمحدودي ومتوسطي الدخل فقد أشرنا من قبل في عجالة إلى الاحتياج المتبادل لكل من قطاعات التنمية العمرانية لباقي القطاعات ليتحقق التوازن المنشود في الجانب الحياتي من نمو المجتمع مع جانبه البنائي ، وهو ما لا يتحقق في ظل تركيز الهرولة العقارية على بناء – وليس تنمية – جزرعقارية كاملة ومتميزة في وسط محيط واسع من النمو البطيء لأي من شقي العمران الحقيقي – الجانب البنائي والجانب الحياتي – ... فربما كان وضع هذه الجزر العقارية في موضعها الصحيح على الخريطة المقترحة للنمو العمراني بنظام المشاركة الشاملة المذكورة في هذه الورقة هو أحد أهم عوامل المحافظة على القيمة المعطاة لهذه الاستثمارات ... وأما عن التكامل مع سياسات الدولة للتنمية فإن فتح آفاق استثمار هذه المجتمعات المتميزة على نطاق إقليمي ( عربي على وجه الخصوص ) أوعالمي من خلال طرح خطط تنمية سياحية متخصصة – مثلاً – تخدم هذه الاستثمارات العمرانية المتميزة بمواقعها القائمة فتحقق تكاملاً منشوداً وتبادلاً نفعياً بين خطط الدول للتنمية وبين خطط المستثمرين الخاصة ... والموضوع رغم التصاقه بأسماء استثمارية رأسمالية لامعة كما تشير المجلة في تحقيقها إنما يتعلق أيضاً وعلى نطاق واسع بادخارات هائلة لصغارومتوسطي المودعين في بعض البنوك التي يبدو أنها باتت تحمل توجهات مشابهة ... !! ... وهي في النهاية فرصة لكل الأطراف لوأحسن استغلالها في الوقت المناسب – وأظنه قد حان - و قبل أن ندخل في متاهات المضاربة السلبية في مراحلها المتأخرة ، والتي عادة ما تحمل أنباء غير سارة عند أي هزات في السوق – وكما أشارت بحق الكثير من الأقلام في هذا السياق – ... والاحتمالات الممكنة لتحقيق التكامل المستهدف المذكور آنفاً بين كل من خطط الدولة وكبار المستثمرين وصغار المكافحين كثيرة ومتنوعة مما لا يتسع المجال لذكره في هذا العرض الموجز للخطوط العريضة ...
من أين نبدأ ؟
السؤال الشهير ... وألف إجابة ... والإجابة البسيطة : من حيث نقف !! .. ولارجوع إلى الوراء ... فتجاهل الإمكانيات التي تتيحها النظم المجتمعية القائمة هو ترف لا تتحمله بلادنا النامية ، والجهل بها غفلة نترفع عنها . ومثلما ينطبق هذا الحديث بوضوح على الإمكانيات المادية والملموسة وأيمن ملامح البنية الأساسية اللازمة للتطور العمراني فهو ينطبق بنفس الدرجة على الكيانات التنظيمية القائمة ... الرسمية منها – إن ارتأت ذلك قوى اتخاذ القرار – ... وغير الرسمية كالجمعيات والمؤسسات التي تحظى بالفعل بجذور تنظيمية وخبرات عملية مشهودة ، وأولها تلك التي تحظى بميزة التمثيل الشعبي والحضور الرسمي ، كالمجالس المحلية ومستويات الإدارة المحلية المختلفة ... بل ومجالس الأمناء والمستثمرين بالمدن الجديدة . كما ينطبق – وربما بدرجة أكبر – على المشروعات الطموحة القائمة ، بمقياس المجتمعات العمرانية الجديدة ... الصناعية منها والسكنية وبشكل عمراني أوتنموي كمشروع كول – مبارك أو مشروعات الصندوق الاجتماعي ... وغيرها الكثير ...وسيستدعي الأمر بلا شك كياناً مركزياً – بشكل ما – ، يربط بين الأطراف المشاركة ، ويوفر الدعم الفني المتخصص بكافة فروعه . ولكن كوادر هذا الكيان جاهزة من خلال المؤسسات المعنية بكافة أشكالها – أو هكذا نرجو ! – ... هذا على الصعيد التنظيمي ...
أما عن التقدم إلى الأمام – وقد اتفقنا عليه سبيلاً – فهو بسرعة وتدرج ... فلا معنى لطرح التناقض بينهما ... ، ... أما السرعة فربما نطمح إلى خطة خمسية واحدة تحل من خلالها المشكلة الرئيسية الحالية لكافة أجيال الشباب في سن الزواج ، وكذا القطاع الملح من مشاكل الإسكان القائم ، مع تدرج في خطط خمسية أخرى لاستيعاب وتوجيه الزيادة السكانية المتوقعة بشكل مخطط منذ البداية مما يحقق تواصلاً متجانساً بين الأجيال . وذخيرتنا في تحقيق المعادلة الصحيحة هو جيل البراعم من الشباب ، ممن تؤهلهم قدراتهم السنية على العطاء من خلال إمكانيات يمكن الارتقاء بها وتوجيهها ، مع احتياجات مؤجلة تتناسب مع الشرائح السنية الصغيرة التي ينتمون إليها ، والتي يخطط لتتناسب استفادتهم من المشروع في التوقيت المناسب، مع تدرج هذه الاستفادة مع حجم عطائهم السابق له ... ، ... وأما التدرج فهو أسلوب لتوفير الخدمات والمرافق بصورة متعددة المراحل ، ذات حد أدنى يفي بالاحتياجات الرئيسية للسكان من ناحية ، ويسمح بالتطوير المخطط مسبقاً مع توافرالإمكانيات لذلك ، وهو أسلوب مجرب عالمياً ومحلياً لتخفيف العبء عن موارد ذوي الإمكانيات المحدودة نسبياً مع إتاحة الفرصة للارتقاء العمراني مع الوقت ... ومثاله درجات تمهيد الطرق مع التخطيط المسبق لاتساعها وانتظامها بما يسمح بإدخال المرافق إليها ، والتدرج في توفير خدمة الصرف الصحي ببدائل مرحلية فعالة كالبيارات الصحية كما أشرنا من قبل ... وهكذا ... وتشكل هذه العناصر المتنوعة من التدرج ابتداء من الحد الأدنى وحتى أقصى درجات الارتقاء العمراني الاحتمالات المقابلة من التنوع والتقييم المادي للمقابل السكني  (الأرض والمرافق و البناء المتاح) المشار إليه في موضعه.
وتبقى مسألة تحتاج إلى فصل بين المفاهيم ، ألحظ فيها خلطاً بين علوم الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والإدارة وغيرها ... وهي مسألة مواقع التنمية العمرانية ومعدلاتها ... فالملاحظ للتطورات العمرانية الطبيعية – والتي اتخذت في غالبيتها طابعاً عشوائياً – التصاقها الشديد بالعمران القائم ، كوضع الجنين الذي يتغذى من خلال أمه ، ورويداً رويداً تبدأ المراحل المتدرجة لاستقلالية الوليد عن غذاء أمه المباشر ، حتى يفطم ويستقل بإمدادات غذائه ثم يشب ويتحول بالتربية والتعليم كائنا نافعاً لأمه وللمجتمع .. وفي مصر رأينا تجارب عمرانية متنوعة صب البعض منها في جزر مستقلة عن العمران القائم ، تحت شعار الخروج من الوادي الضيق وخلخلة التكدس السكاني ... والسؤال الذي يطرح نفسه : أهو خروج البناء أم خروج البشر أو خروج الأنظمة الحياتية التي أشرنا إليها من قبل ؟؟ .... ورأينا في الوقت نفسه شعارات تحذيرية من التوسع في أحجام المدن الكبيرة وخاصة العاصمة .... و السؤال ذاته يتكرر .. أي توسع هو المقصود : أهي المساحة الإجمالية أم البناء أو البشر أم التنظيمات والكيانات وباقي الأنظمة الحياتية ؟؟ ربما جاز لنا أن نتصور مصنعاً أو حتى مبني سكنياً – جمادا – يبني في قلب الصحراء منقطع ا لصلة ببؤرة حياتية لصيقة ، ولكني لم أر حتى الآن فرعا جافا بغير حياة ينتهي بثمرة يانعة أو حتى ورقة خضراء.
إن أحد أهم الدروس المستفادة من تجارب المدن الجديدة ربما يكون درسا في ممارسة شيئ من مضاربة الجزئية الإيجابية علي البناء لصالح المجموع !! فقد رأينا المدن الجديدة تبعد عشرات الكيلومترات عن العمران القائم في العاصمة وغيرها ، وكلما مر الوقت أثمرارتفاعاً نسبياً في حركة الحياة علي محاور الاتصال بين هذه المدن الجديدة وبين المدينة الأم ، واستغل البعض هذه الظاهرة كالمعتاد قانوناً أو بغير قانون لكي ترتفع قيمة هذه الأراضي وتتاح المضاربة عليها – وبفكرة شبيهة بذلك يمكن لمشروعنا المقترح أن يضع في الاعتبار أحزمة من الأراضي التي تصل – ولاحظ مصطلح" تصل" هذا – العمران المستهدف بالعمران القائم  وتطرح حسب الخطط المرحلية المرسومة لتمثل أعلي قيمة للأراضي التي تعرض للاستثمار، وتصب حصيلتها في ميزانية التنمية العمرانية الشاملة لهذه المجتمعات العمرانية الجديدة ، وفي اعتبارنا هنا نقطتان هامتان .. أولهما : المقياس .. فالفارق بين الشريط المقترح من الأراضي الاستثمارية وبين المسافات الحالية بين المجتمعات العمرانية الجديدة والعاصمة مثلا هو الذي يميز مصطلح "تصل" المذكور عن مصطلح "تفصل" ... وثانيهما : تأثير الموقع الذي سيحدد لهذه الأراضي ، علي الأراضي المحيطة بها من الجهتين ، جهة العمران القائم وجهة العمران المقترح ، ومراعاة ذلك في توقيع الأنشطة ، والتقديرات المادية المصاحبة لقيم هذه الأراضي العمرانية المحيطة.
حصر وقياس الاحتياجات والإمكانيات – وضع الحصان أمام العربة :

مثل بلاد أخري في العالم .. في بلادنا ... يبني الناس من محتاجي السكن تحت ضغط الظروف في عشوائيات – منتقدة من البعض –  وهذا فعل ... ، ثم تقوم الحكومة في المناسبات – مشكورة – بتوفير ما تستطيع توفيره من خدمات لتحسين مستوي البيئة السكنية ... وهذا رد فعل ...، وفي بلادنا يشتري الناس من ذوي السلطة والمال الأرض خارج نطاق كردون المدينة  أو يضعون أيديهم عليها تحت شعار الاستصلاح الزراعي ، ثم يبنون عليها قصوراً شاهقة –  منتقدة من البعض – أو يقسمونها للمضاربة والبناء – في عشوائيات فاخرة – .. وهذا فعل .. ، ثم تقوم الحكومة في مناسبات أخري – !! –  بتوفير الغطاء القانوني بضم هذه المناطق لكردون المدن كجوانب الطرق السريعة بين القاهرة والمحافظات مثلاً – .. وهذا رد فعل .. ، وفي بلادنا ترصد الدولة ميزانية للمشروع الإسكاني بنظام البناء الكامل – بل ومدن كاملة أحياناً- ، ولا توفرها أحياناً أخري .. وهذا فعل .. ، ثم تقوم الحكومة بتعديل التصميمات الفنية أوالشروط المالية للحصول علي الوحدات السكنية أوالأراضي المجهزة طبقا لما أسفر عنه في المرة الأولي ... وهذا رد فعل ... ، وهكذا ... وهذه السلسلة التي لا تنتهي من الأفعال وردود الأفعال ، والتي فرضت نفسها من خلال الأمرالواقع لسنوات طويلة ، وشكلتها ظروف المحيط السياسي والاجتماعي والاقتصادي وقوي السوق – البشرية في حالة الإسكان العشوائي للفقراء والمادية في حالة الإسكان العشوائي للأغنياء –  ما هي إلا نتيجة منطقية للمدخلات التقليدية لسياسة الإسكان والتنمية ، وهي تعتمد أساساً علي التخطيط " للزبون المجهول" ، ومن خلال النسب المئوية التي يتم استنباطها عن طريق الدراسات المكتبية والاستطلاعات الميدانية لما يطلق عليه العينات النسبية من شرائح السكان ، والتي يتم علي أساسها التخطيط لاستيفاء إحتياجات هؤلاء السكان وفي ضوء إمكانياتهم التي يتم تقديرها بطرق تقليدية غير متفق علي دقتها !! وغالباً ما يتم التخطيط للعشوائيات التي تمثل معظم الإنجاز الكمي في مجال الإسكان المصري المعاصر بأثر رجعي أو بسياسة رد الفعل هذه أو بطريقة وضع الرتوش علي ما تم بالفعل تنميته .. وربما كانت هذه الصور مقبولة في حدود الإمكانيات البحثية المتاحة منذ عقود مضت .. أما الآن في عصر المعلوماتية وتطورعلوم الكمبيوتر أظن أننا جميعاً مقتنعون أن الأمر لا بد وأن يختلف ..!!.
وفي الحقيقة فإذا كان هناك مجال واثق قادر علي إضافة الجديد في أي من قطاعاته الابتكارية في الزمن الذي استغرقته كتابة – بل قراءة هذه السطور – فهو مجال نظم المعلومات والكمبيوتر .. وإذا كان الحديث عن عنصر الكمبيوتر ونظم المعلومات حديث كل متخصص وأمل كل باحث في كافة فروع العلم فأنا أراه الحاضر الغائب في حالتنا هذه في مجال التنمية العمرانية ، فهو الحلقة المفقودة في النظم الحالية التي تتعامل مع السكان وطالبي السكن كأسرار مغلقة متشابهة الخصائص – إلا قليلاً – وهو العامل المشترك الحاضر في كافة ما يقترحه المشروع من عناصر في تقييم التنوع في الأراضي ، وفي تقييم الإمكانيات المتاحة للأفراد والكيانات المشاركة، بما يتيح فعالية حقيقية في تحقيق المنظومة المستهدفة التي يكمن أهم مولدات فعاليتها في استثمار التنوع الشديد بين عناصرها.
وإذا شئنا التطرق بإيجاز إلي المنهج المقترح لمعالجة القصور الحالي في هيكلة عملية اتخاذ القرار فنقول أن البداية الطبيعية هي رسم مستويات متدرجة من القرارات المتعلقة بميكانيكية التنمية العمرانية.. – وهذه الميكانيكية هي نطاقنا المستهدف بالتطوير – ، ولكل مستوي من هذه القرارات يتم تصميم شكل المعلومات المطلوبة التي تشبع احتياجات متخذ القرار، وطرفا المعلومة المتكاملة المفيدة والمستهدفة في حالتنا هذه اثنان : الاحتياجات والإمكانيات .. ومصدر معرفة الاحتياجات هو وظيفة علماء متنوعي الاختصاصات بين اجتماع وهندسة معمارية واقتصاد وخلافه ، ويمكن أن تصب هذه المعلومة في شكل استمارة تقليدية في هيئتها ومتطورة في محتواها ونظام تصميمها وتفريغها بأدوات تكنولوجية حديثة تتيح الدقة والسرعة والكفاءة – أما مصادر معرفة الإمكانيات فتستلزم خطوة مسبقة لتقدير وتصميم قوالب معينة تصب فيها التخصصات التقليدية للبناء والتنمية الحياتية لمجتمعاتنا المستهدفة، وتشمل هذه القوالب كافة التخصصات من الهندسة بفروعها إلي الزراعة والصناعة والتعليم والصحة .. بل والآداب والفنون وغيرها.. فهو مجتمع يطمح إلي الكمال المشروع، فلم لا نوفر له أدواته ؟؟ .. ويشمل تصميم هذه القوالب نطاقا متدرجاً من الخبرات وساعات العمل المعطاة والتخصصات بتقييمها المتنوع ، كما يشمل في مستوي آخر تقدير الإمكانيات المادية :" بدائل التمويل" كالمعدات ووسائل النقل والتجهيزات الفنية التي يمكن المساهمة بها في الإنجاز التصميمي والتنفيذي ومراحل الصيانة .. والحصيلة النهائية لذلك كله تفصيلاً متكاملاً – علي المستوي الفردي – أوالكيان المتكامل لمجموعة من الأفراد – للاحتياجات .. ومثالها المساحة وتوقيت البناء والموقع والتصميم المناسب ، و.. للإمكانيات ... ومثالها التخصص ووحدة الوقت المعطي ومداه والخبرة السابقة وإمكانيات التدرب والأجهزة الممكن استغلالها كالكمبيوتر أو المعدات كمعدات البناء أو وسائل النقل من السيارات والجرارات وخلافه .. وتمثل هذه المعلومة المتكاملة– علي مستوي الفرد أو الكيان المتكامل المشارك– الأساس الأهم واللبنة الأولي لاتخاذ قرار صحيح  ورسم وتنفيذ مخططات فعالة في مشروعنا المقترح ، كما تمثل أولي وأهم خطوات جذب الناس للمشاركة الإيجابية بالفكر الخلاق وإعطاء المعلومة الصحيحة لتفيد في تكوين بنية معلوماتية أساسية هي العنصر الأهم مرحلياً في بناء مجتمعهم الجديد . والحصيلة هي سلسلة من المعلومات المتكاملة التي تجيب بوضوح علي تساؤلات مثل : ما هو نطاق الاكتفاء الذاتي الممكن تحقيقه من خلال مفهوم المشاركة المطروحة تفصيلاً في مشروعنا المقترح علي مستوي الحدود الطبيعية لأقاليم الدولة – أوهو سؤال ببساطة يتعلق بمدي كفاية المؤهلات البشرية والتمويلية لسد احتياجات مشروعنا وذلك لكل اقليم قائم بالفعل في وقتنا الحاضر – كاقليم الدلتا أو القناة أو العاصمة أو جنوب الصعيد مثلاً..؟ .. وهكذا .. وهو مثال لسؤال يتحكم في توجهات متخذ القرار نحو استكمال العجز في أي المؤهلات البشرية أو التمويلية من خلال خطط ارتقاء بهذه المؤهلات أو توسيع نطاق التكامل بين الإقليم المستهدف وبين الأقاليم الأخرى، ويتدرج هذا الاستقصاء من خلال نظم معلومات متطورة ليصل إلي مستوي المجاورة السكنية الواحدة وتحقيق التجانس بين عناصرها..
والجديد الذي نطرحه هنا – خلافا للأساليب التقليدية – هو أن تكون عملية الاستقصاء المعنية قائمة علي أساس وحدة معلوماتية تمثلها البيانات الشخصية لكل مشارك .. نعم .. فالفرد من خلال اسمه الرباعي – تحية إلي مشروع الرقم القومي الذي طال انتظاره – هو المستهدف بشخصه ، وليس مجرد شخص كل توصيفه أنه محدود الدخل أو خلافه أيا من كان .. وهو – هذا التكامل المعلوماتي وإمكانيات التصنيف المركب والعمليات الاحصائية المتطورة – ترف حملته لنا مؤخرا تطورات نظم المعلومات الحديثة .. ولمن يتساءلون عن الخطوط العريضة للتنفيذ ، أقول أنها تبدأ بهذا الاستقصاء الميداني الشامل أولا – من خلال دعوة الناس وارشادهم لملء الاستمارات المصممة وإرسالها – ، ومن ثم إسقاط نتائجه علي الخرائط العمرانية التي ستحمل نتائج كلا من استقصاء الاحتياجات العمرانية والإمكانيات المتاحة للأفراد من ناحية والطبقات التقديرية لقطع الأراضي من ناحية أخري ... والتلاقي الصحيح بين كلا العنصرين هو معيار النجاح للتصميم المقترح كميكانيكية تنموية تصلح لأن نطرحها بعدها للمتخصصين في مجال تخطيط المدن – بمفهومه الحالي كتصميم فني للمجاورات السكنية تدرجاتها الأعلى حتى مستوي المدينة – وذلك علي أسس تخطيطية سليمة ، أيا ما كان الفكر التخطيطي الحاكم للمرحلة التالية .. وبمثل ما نخطط به للتنمية العمرانية الجيدة نخطط أيضا للإسكان القائم ومقترحاتنا لتكامل خطط دمجه بالمشروع المقترح .. ولشرح أبعاد هذا الفكر العريض لقياس الاحتياجات والإمكانيات تفاصيله الفنية الكثيرة التي تمثل جوهر المشروع ذاته عند طرحه للمتخصصين .
إرهاصات :
هذه ورقة عمل لمشروع مقترح نمت أفكاره عبر سنوات من البحث والدراسة المتخصصة والإطلاع المتنوع .. لا أقدمها كخطة وقائية من الزلازل ، ولا كورقة بحثية بمناسبة مؤتمر قمة المدن ، ولا كإجابة تتوافق مع طموحات تنموية سطرتها أقلام وطنية عزيزة .. ولكن ... لكل هذه العناصر وغيرها إسقاطاتها شديدة الأهمية ، مما لا يسعني تجاهله .. وأطرقه هنا بإيجاز ..
الزلزال..
زلزال أم تجارب نووية إسرائيلية !! المحصلة في موضوعنا واحدة .. فيبدو أننا نحتاج إلي تغيير في نمط مساكننا، لتتواكب مع التغيير في نمط الطبيعة الزلزالية– الصناعية أوالطبيعية – .. فلا يستطيع مكابر أن يزعم الآن أننا بمنأي عن الأخطار الزلزالية التي لا يعلم مداها إلا الله تعالي .. وهي أخطار وضعت الإسكان العشوائي والقديم والأبراج الفاخرة والخوف والرجاء في سلة واحدة .. إلا قليلا .. وهذه دعوة لأن نعقلها قبل أن نتوكل !! .. وربما يمثل التفريغ السكاني الاختياري من خلال المشروع المقترح خطة وقائية لثروات مصر البشرية والمادية علي المدي القريب جدا نسبياً ، فالتعديل الذي أعلن حديثا في كود المباني في هذا الشأن يمثل اعترافاً بهذه الحقيقة للمشكلة ، وقد جاء حاملا الحل لمشكلة المباني الجديدة ، ولم نسمع حتى كتابة هذه الورقة – عن نوايا لمعالجة المشكلة الخاصة بالاسكان القائم ، الأكثر عرضة للمخاطر بطبيعته وعمره الافتراضي وأوضاع صيانته ووضعها كاحدي طبقات المعلومات علي خرائطنا العمرانية المقترحة بنظم المعلومات الجغرافية الحديثة باستخدام الكمبيوتر، ويتوازي مع هذا الرصد للواقع الانشائي اقتراح حوافز جديدة توضع في الاعتبار عند تنشيط التفاعل بين البشر والتنمية العمرانية كما سبق ذكره..
وخاتمة هذه الجزئية أن اليابان تفكر في نقل عاصمتها من مدينة طوكيو لأسباب شبيهة – مع الفارق – بالواقع العمراني في مصر ... والنقل يكون أحياناً لاحدى جوانب العاصمة .. كالتجارية أوالمالية أو الإدارة الحكومية .. ولا مزيد من التعليق علي هذه النقطة ونفوسنا جميعاً لا تزال تعيش لحظات الزلزال..
مؤتمر قمة المدن ..
تجئ مؤتمرات وتروح مؤتمرات ثم ينفض السامر ولا جديد تحت الشمس .. هذه هي وجهة نظر البعض تجاه موضوع المؤتمرات ... ولست منهم ..
إن مؤتمرا كقمة المدن المزمع عقده في تركيا الصيف القادم إن شاء الله تعالي هو فرصة سانحة – وليس هدفا –  لتقديم رؤية جديدة ، تترجم تطلعات بلادنا لواقع عمراني أفضل ، واستثمار هذا التجمع المشهود لاستقطاب التأييد الفني والمعنوي والمادي لجوانب المشروع المقترحة ووضعه في الإطار العالمي الذي يتفاعل بمقتضاه فكر وتجارب الآخرين مع فكرنا وتجربتنا المنشودة .. والموضوع كله توافق في المناسبات بين توقيت طرح هذا الفكر المقترح وانعقاد المؤتمر المذكور ... لعله يضيف جديداً نافعاً يجد مكانا تحت الشمس – ونرجو من الله تعالي أن يكون كذلك ! – ...

فكر واحد...
علي الرغم من أن الجذور الرئيسية لهذا الفكر – بالنظر إلي طبيعة عملي الأساسية – هي دراسات متخصصة أكاديمية عالمية ومحلية وأبحاث ميدانية ، شملت الكثير من التجارب العالمية والمحلية ، بما يغطي معظم المشروعات التجريبية التي شملتها الجهود الرسمية وغير الرسمية علي مدي العقود القريبة في مصر ... إلا أن توافقا في الفكر قد تراءي لي عبر قراءاتي الحديثة نسبياً ، ولم أشأ أن أمر عليه مرور الكرام .. ففكرة المشروع القومي في إجمالها – لأي تخصص – هي مما يشغل بال الكثيرين دوما ، ويتراءي لي أن افتقادها – ولو جزئياً – في بعض الأوقات يزيد من فرص الإلحاح عليها في أذهان المتخصصين في كل مجال .. وقد قرأت ملامح لهذا الفكر بشكل أو بآخر في العديد من الكتابات والمناسبات لأعلام الفكر في بلادنا .. ولنضرب مثالاً واحداً بكتابات متنوعة بجريدة "الأهرام" عبر عدة شهور – بل وبعضها لأيام انقضت – .. فقد عبرت عن ملامح المشروع القومي الدكتورة / نعمات فؤاد وكأنها كانت تكتب وعينها علي ورقتها هذه في مجملها .. ، وعبر عنه الرأي العام بتنوع تساؤلات الشباب والمحنكين من القراء والكتاب في أبوابهم الثابتة كالأساتذة / صلاح منتصر وعبد الوهاب مطاوع وأحمد بهجت وميلاد حنا ومحمود مراد وثروت أباظة وغيرهم من الأعلام .. وفيهم من يتساءل عن جدوي الغربة وإنفاق السنين في جمع مائة ألف جنيه إذا لم توفر له سكنا لائقا !! .. ، فيما يعبر أحد أساتذة المهندسين الكبار عبر هذه الحوارات عن نظرة غير متفائلة بامكانيات التطوير .. علي الأقل في القريب العاجل ..، وغير ذلك كثير مما احتوته صفحات كالشباب والعمران والتنمية والصفحات البرلمانية .. بل إن استاذا في الزراعة – في سياق تحقيق صحفي– قد طرق أبوابا هامة مما تناولناه – عن تكامل الأنشطة والمقياس المناسب – عندما تساءل مستنكراً في جملتين عن جدوي اشتغال ممرضة في استصلاح الأراضي– وغالباً بمقياس الخمسة أفدنة المعتادة – ونصـــح بأن تسد هي في مهنتها الأصلية التي تعاني من العجز أصلاً ..!!، بل وتناول أيضاً جزئيات هامة من هذا الموضوع من زوايا مختلفة كتاب متخصصون في نواحي أخري كالأستاذ / محمد سيد أحمد في تطرقه السريع – منذ فترة –  للنظم المستقبلية المتطورة للمشاركة السياسية والمجتمعية التي تعتمد علي التكنولوجيا الحديثة ، ومثله الكاتب المتخصص – عبر منابر إعلامية أخري – الأستاذ جمال عنايت في نقطة أكثر التصاقاً بموضوع التنمية العمرانية .. ، ناهينا عن الاهتمام الملحوظ للدكتور/ سعد الدين إبراهيم بالمشاركة المجتمعية عبر الجمعيات الأهلية .. ، وقبل ذلك كله – ولا عجب – نقرأ للأستاذ / فهمي هويدي مقالا عن سراييفو تحت الحصار ووصفه – في سياق ذلك – لاحدي أكثر الأشكال تجريدية عن مجتمع معاصر يدار – لعدة سنوات – في ظل أدني الإمكانيات وأقصي درجات المشاركة المجتمعية .. أهدانا فيه صورة البشر يقتسمون كوب الماء بين احتياجاتهم للشرب واحتياج قوتهم من مزروعاتهم البسيطة للحياة – فيما تبقي من حدائق منازلهم – .. وأهديها بدوري للمتعمقين في مجال توفير الاحتياجات المائية في إطار مشروعنا المقترح – وكيف تنمو روح المقاومة للهزيمة في ظل أصعب الظروف ، وكيف تنشأ أشكال كاملة من النظم الحياتية كالتعليم والصحة والإعلام وغيرها تحت أقصي الضغوط .. ألا هو محاولة تدمير أمة بأكملها– وليس حتى مجرد حرب حدود أو خلافه– ...
عود علي بدء
وأنا أسطر السطور الأخيرة في هذه الورقة طالعت في جريدة – في سياق وجهة نظر –  ما أغراني بالتأمل قليلاً .. أن ٧٢٪ من تصريحات ومقترحات رئيس الجمهورية علي مدي خطبه العامة وبياناته وأحاديثه الإعلامية – عبر ١٤ عاما – ، وكذا ٩٢٪ من البيانات الرسمية لسيادته ، قد تناولت قضية الإسكان من بين القضايا المصيرية التي أهتم بها أكبر مسئول فى الدولة .. ناهيك عن الجهود الفعلية المضنية والاجتهادات التي طرحت لمواجهة هذه المشكلة المركبة والمتشعبة . ويسهل علي أي مهتم بهذا الموضوع أن يدرك مدي تراكم القضايا المصيرية في إطار التنمية العمرانية –  المفهوم الأشمل من الإسكان – من خلق فرص العمل وقنوات الانتاج وتطوير البنية الأساسية البشرية والمادية والخدمية بأشكالها المختلفة من تعليم وصحة وخلافه ، وليرجع من يشاء إلي خطاب السيد الرئيس في افتتاح البرلمان الجديد وقد قدم هذه النواحي في باقة واحدة متكاملة شكلت في مجموعها إطارا لاستيعاب اجتهادات متعددة للتطوير ، نرجو أن تحظي مقترحاتنا من خلالها بشرف النظر والاعتبار والتجربة.
ومن بين عشرات المواضع في ورقتنا هذه أختار – عامداً – هذا الموضع لأطرح فيه بإيجاز تصوراً افتراضيا لما يقرب من ثلاثين مليون مشارك في المشروع المقترح في مراحله الأولي – علي مدي السنوات الخمس القادمة –  قد ساهموا تمويليا بمبلغ جنيه واحد عن كل مترمن الأرض الموزعة بواقع الفين متر مربع – نصفها ملكية خاصة .. كحد أدني – ، أي يقتطع المشارك في المشروع جنيهاً واحداً يومياً من مصروفاته علي مدي الخمس سنوات المذكورة لتمويل ما لابد من تمويله من جوانب المشروع .. إن الحصيلة المبدئية للتمويل من هذه الجزئية تتخطي بصورة إجمالية حدود الخمسين مليارمن الجنيهات !! .. إنها نفس الطاقات الهائلة للمجموع التي نحاول استثمارها .. – ولا يعني هذا مطلقاً ارتباط التمويل المقترح بالتصور الافتراضي السابق .. فإمكانيات التمويل متعددة وقد طرقنا بعضها في سياق هذه الورقة بإيجاز ، مما يلزم بحثه تفصيلاً علي ضوء ما يتوفر للمشروع من إمكانيات واقعية–..
ولكي لا يتوه من أحد الموضوع أختتم هذه الورقة الموجزة موضحاً..
أنا لا أتحدث عن نقد مجرد لسياسات الاسكان القديمة والقائمة ، ولكني أتحدث عن تطور طبيعي في نمط معالجتنا لمشاكل الاسكان والتنمية علي ضوء المتغيرات الحديثة..
وأنا لا أتحدث عن نقض بناء ساهمت في تكوينه طبقة من الطبقات – ولو علي سبيل المضاربة، أوعشوائية التخطيط – ، ولكني أتحدث عن استثمار هذا البناء في إطار حل شامل .
وأنا لا أتحدث عن ملايين الشباب يؤدون أعمال البناء المباشرة ، ولكني أتحدث عن ميكانيكية للتنمية العمرانية تستوعب وتوجه طاقات وتخصصات الشباب في طليعة كافة أفراد الشعب .. كل في مجاله.
وأنا لا أتحدث عن منتج نهائي من المباني فاخرة التشطيب ، ولا علي النقيض طوفان من المستوطنات العشوائية ، ولكني أتحدث عن مجتمع هائل المساحة ومتدرج النمو، ولكن في إطار مدروس ومخطط ، يحتمل أفخر أنواع البناء منذ البداية في مناطق منه ، كما يتحمل أيضاً بناء مرحلي علي أسس هندسية وجمالية سليمة في مناطق أخري .
وأنا لا أتحدث عن قالب واحد يصب فيه المشروع كتنظيم أو تنفيذ أو منتج نهائي ، ولكني أتحدث عن ميكانيكية للتنمية العمرانية تستوعب أشكالاً متنوعة من التنظيم والتنفيذ والإنتاج تنوع أطرافها المشاركة..
وأنا لا أتحدث عن صورة نهائية من خلال هذه الورقة ، ولكني أتحدث عن خطوط عريضة أكثر ملامحها في متناول أيدينا ..، وأنا لا أضع اللبنة الأخيرة للمشروع بهذه الورقة ، ولكني فقط أضع حجر أساس .. ولكافة المهتمين والمعنيين أن يساهموا في البناء ..، وأنا لا أطمح – مبدئياً – من وراء هذه الورقة إلا إلي ضوء أخضر .. لنواصل سويا المسيرة ونبلور تفاصيل هذه المقترحات .. والله تعالي الموفق.

الوسطاء يمتنعون مؤقتا !


مجلة الأهرام الاقتصادى ، القاهرة – العدد –٢٩–١٤١٢ يناير ١٩٩٦
ورقة عمل لمشروع قومي
رؤية لمسألة الإسكان كمدخل إلى التنمية الشاملة ( مشروع المجتمعات الإيجابية(

في ٢٧ مايو عام ١٩٩٣ دارالحوار التالي بين الرئيس مبارك وبين الصحفي الأستاذ/ فتحي الإبياري في لقاء سيادته بمفكري مصر بعيد الإعلاميين .
أ. فتحي الإبياري – نائب رئيس تحرير أكتوبر: نتمنى أن تعود روح أكتوبر مرة أخرى ونحن نعيش نتائج هذه السيمفونية ... وأسأل ... كل هذا الجهد الكبير الذي تقوم به في مصر من أجل الخروج من المأزق الاقتصادي و من أجل شباب مصر ... لماذا لا تتكتل كل أجهزة الدولة ليكون عام ٩٣ – ٩٤ عام الشباب لتوفير الوظيفة والمسكن ويقوم الشباب ببناء مسكنه بنفسه ؟
الرئيس مبارك : أريد توضيحاً أكثر.
أ. فتحي الإبياري: يمكن إنشاء بنك للشباب ويرصد له مبلغ مائة مليون جنيه مثلاً لبناء مساكن لهم بأنفسهم .
الرئيس مبارك : إنني على استعداد لكي أنشئ لك البنك وأضع لك فيه المائة مليون وتعال حل المشكلة.
أ. فتحي الإبياري: نريد أن نعيد الانتماء للشباب ... توجد بطالة ولا يوجد عمل مما يدعو الشباب للانحراف.
الرئيس مبارك : البطالة موجودة في مصر والعالم كله مليئ بالبطالة ، وأعتى الدول الديموقراطية وأغناها الولايات المتحدة الأمريكية عندها بطالة وديون ... ما زالوا يبحثون عن فلوس للعناية الصحية... اليابان وأسبانيا وانجلترا وفرنسا تعاني من نفس المشكلة ، ودول العالم الثالث غير معروف عدد البطالة فيها. لقد قرأت مقالة عن إصلاح اقتصادي في بلد يحدث فيه الإصلاح بلا مشاكل ، هذا الإصلاح لا يحدث لصالح الجميع في تلك الدولة ولكنه يتم لصالح فئة معينة ، فالمقارنة يجب أن تكون عادلة والمعلومات يجب أن تكون كاملة ...
إنني أنظر دائماً للبعد الاجتماعي ، كل ما يتم عمله في مصر هو من أجل الشباب ... جميع الخدمات الأساسية للشباب ... ولولا البنية الأساسية ما وجد الشباب فرصاً للعمل في المدن الجديدة ... كل ما نفعله هو للمستقبل ، والمستقبل هم الشباب ... إنني لا أحب فرقعة الشعارات ... لو أحضرت خطة معقولة فأنا على استعداد لأن أعمل لك بنكاً وأعطيك ٣٠٠ مليون جنيه وأعملك نائب وزير وتتولى مسئولية البنك وتحل المشكلة ... الكلام سهل نحن نعمل للشباب بقدر ما نستطيع ... لقد عينا في العامين الماضيين أكثر من ٢ مليون مواطن  وأوجدنا لهم فرص عمل ... الدولة الآن فيها أكثر من ٤ ملايين موظف ، وهذا عبء على الحكومة ... نحن نحاول إيجاد فرص إنتاجية لهم وهذا ما يتحقق من خلال المشروعات التي تقوم بها الدولة.
وعلى مرالسنين ، وكثر ما تناول الرئيس مشاكل التنمية والإسكان بالاهتمام –  حتى ساعتنا هذه – ، ووفرة ما كتب عن أزمة الإسكان وجهود حلها ،أجد في كلمات هذا الحوار للرئيس – التي اخترتها عامداً من بين العشرات من المناسبات المماثلة – علامة مميزة أستهل بها هذه الورقة ، وإلى سيادته أهدي السطور القادمة ... مفاهيماً يربط بينها وحدة الهدف والفكر ويجمعها في صورة متكاملة إطار للمشروع المقترح ...
(١) شمولية الحل

هل نرجع معاً بالذاكرة إلى معركة العبور المجيدة، ونتصور سوياً –  حتى ولو بخلفياتنا العسكرية المحدودة – أن قواتنا المسلحة الباسلة قد قررت أن تعالج الموقف المتجمد وقتها بعمل عسكري محدود لا يرقى إلى مستوى الحرب الشاملة التى خاضتها ، وأنها اكتفت بالهجوم – الفعال – في منطقة محددة من الجبهة – بلا نية للتوسع – تذرعاً بقلة الإمكانيات ، وأنها تسعى إلى الحل الجزئي المتاح من خلال عبور الجيش المصري كله من خلال ١٠٪ فقط من طول خط المواجهة على القناة مع توقع تحييد القوات المعادية على باقي امتداد هذا الخط للمواجهة ! أو لنقل افتراضاً أن هذا الحال كان على مستوى قيادة القوات الجوية ، التي ارتأت لقلة الإمكانيات أن تركز ضربتها الجوية – الرئيسية – الأولى على ١٠٪ من الجبهة فقط ، ومن بعدها توفر مظلتها الجوية لنفس النسبة من سماء قواتنا المقاتلة وجبهتنا الداخلية تحت شعار "الإمكانيات المتاحة" . أن البديهة تقودنا إلى تركيز القوات المعادية وحشدها في هذه المنطقة للقضاء على هذا العمل العسكري ، وتكون النتيجة استنفار الهجوم المضاد للعدو والاحتمالات الأكيدة لتدهور الموقف لغير صالحنا – لا قدر الله – ومن ثم تأتي النتائج عكسية تماماً، ولا يعفينا ساعتها كل النوايا الحسنة أو أعذار قلة الإمكانيات من مغبة هذا التصرف الافتراضي ... إن شيئاً من هذا يحدث – ولو جزئيا – على ساحة المواجهة لمشكلة الإسكان ، فإنه –  وبافتراض قلة الإمكانيات من منظور التمسك بمسئولية الدولة عن توفير الإسكان المتكامل بالمفهوم التقليدي الذي سيطر على متخذي القرار لفترة سابقة وتحور بعض الشيء لاحقاً –  يجري اتخاذ خطوات جزئية متلاحقة على مدى العقود الماضية بغية إصلاح غير جذري ولا كامل للموقف الإسكاني –  بقراءة الواقع وليس الخطط الطموحة ! وترتب على الكثير من هذه الخطوات مضاعفات جانبية، ليس من أقلها شأنا زيادة وطأة الأزمة على الشرائح العظمى من محدودي الدخل – وهم غالبية المواطنين طبقاً لمعظم التعاريف المتداولة لهذا المصطلح –  ومن الأمثلة الشائعة لهذا الإجراء قوانين الإيجارات في الستينيات ، والتي أفادت شريحة محدودة من المواطنين في ذلك الوقت ، ويدفع الثمن أبناؤهم في الوقت الحالي  وعلى هذا المنوال فإني أرى أن أي حلول جزئية في غير إطار شامل – حقيقي و مدروس – لمعالجة المشكلة ككل قد ساهم بشكل أو بآخر في زيادة المعاناة لباقي الشرائح السكانية. ويدخل في هذا الإطار غالبية مشروعات الإسكان المخصصة لشرائح بعينها ، والتي دخلت بدورها في دائرة المتاجرة – لصالح الطبقات الأقوى والأقدر على اختراق هذه المشروعات –والمضاربة السلبية التي سنتحدث عنها لاحقاً في ظل عدم دراسة العرض والطلب وإمكانيات الشرائح المستهدفة واحتياجاتها في مجال تنفيذ هذه المشروعات المحدودة . وقد أحدثت هذه الحلول الجزئية أحياناً تأثيراً شبيها بتأثير "التطعيم الطبي" فأثارت الجرعات الضعيفة من الحل رد فعل عكسي من المحيط الإسكاني، تمثل غالباً في ارتفاع قيمة الإسكان في حيز التطبيق ، وتأثر كل المحيط المجاور بهذا الارتفاع سلباً وغالباً على حساب الطبقات الأكثر ضعفاً ومحدودية للدخل من غير المستفيدين بالمشروعات الإسكانية. رأينا هذا كما سلف على نطاق واسع في تطبيق تشريعات الستينيات الإيجارية ، ورأيناه على نطاق معظم المشروعات التجريبية في كافة الحقب التالية الموجهة أساساً لحل المشكلة الأصلية للإسكان. (لاحظ مثلاً تأثير إقامة مشروع إسكان شعبي أوتحسين خدمات المنطقة على أسعار الإسكان في المحيط المجاور للمشروع ، ومدى إفادة نسبة محدودة من الشرائح السكانية المستهدفة، مقابل مدى التأثير السلبي غيرالمباشر الذي قد يحدثه المشروع على أسعار الإسكان بالمنطقة المجاورة كلها . بل إني قد أتوسع وأنسب إلى هذه الحلول الجزئية تأثيراً ما على نمو العشوائيات التي اجتذبت جل انتقادات المسئولين مؤخراً ، وهي من وجهة نظرى كانت متنفساً لمحدودي الدخل، اجتذبته بالدرجة الأولى الخدمات التي تتوفر لمناطق عمرانية حظيت باهتمام الدولة ، وصبت فيها الأجهزة الرسمية المعنية إمكانياتها المحدودة ، رغم أن هذه الإمكانيات أصلاً ملك لكل من سكان مناطق الإسكان الرسمي والعشوائي على حد سواء ، باعتبارهم جميعاً مصريين يؤدون نفس الالتزامات، فظلمنا جميعاً لهؤلاء الناس يبدأ بتخطيهم في توفير الخدمات المساعدة على النمو العمراني الطبيعي – ولن أسميه توفير الإسكان – ، ويضاف لهذا الظلم اتهامهم بالتعدي ومخالفة القوانين ، دون إيجاد بديل شرعي مناسب ... كأنما قدر لهؤلاء الناس أن ينتظروا طوال حياتهم فرجاً حكومياً قريباً طال انتظاره ... ، ثم لا يفتأ البعض يتأفف من هذه المجتمعات العشوائية ، صارفاً النظر عن الاستفادة الجزئية التي تتحقق للمجتمعات العمرانية الراقية المخططة من خلال تلك المجتمعات العمرانية العشوائية النمو – التي تزحف على أطرافها لعلها تحظى ببعض من مزايا جيرانها الغنية – إذ توفر لهذه المجتمعات مثلاً الأيدي العاملة الرخيصة  والتي تساهم بأكبر قدر في إنعاش اقتصاديات هذه المجتمعات العمرانية الراقية، وتوفير كلا من النواحي الخدمية والتنموية لها ... والمقصود من هذا الاستطراد هنا ليس بالطبع الدفاع عن العشوائيات ، بقدر ما هو لفت النظر إلى ما يحيط بهذا النمو العشوائي من ملابسات ، وعلاقته بالتوزيع المستهدف العادل والمتجانس لأنماط الإسكان – بل والتنمية العمرانية – من خلال خطة مقترحة شاملة ومتكاملة ، بما يلبي – بل ويستثمر – الاحتياج الطبيعي للتكامل في النمو بين كافة أنماط المجتمع العمراني ( .
وإذا كان هذا الجانب في إجماله هو أحد توابع الحلول الجزئية للمشكلة الإسكانية ، فإن تفاصيل هذا التأثير السلبي لا تخل من دلالات . فالموضوع يتعلق إلى حد كبير بالمضاربة السلبية على الأراضي والعقارات ، وأنا أطلق عليها سلبية لأنها تعتمد بصورة واضحة على الاستفادة بمجهود خارجي محيط بهذه الأراضي ، وقيمة مضافة من الغير للمنطقة ككل ، بلا مشاركة حقيقية في التنمية من جانب المضارب توازي ما يحققه من مكاسب . وخير مثال لهذه الظاهرة هو الموقف الحالي للإسكان في المناطق القائمة بكافة جوانبه التشريعية والتنفيذية ، وفيه لا نرى حافزاً قوياً للتنمية العمرانية ، بقدر ما نرى مكاسب محققة للمضاربة السلبية ، بمعنى شراء الأراضي مثلاً في الحيز السكني وإبقائها بدون بناء لأطول فترة ممكنة  اعتماداً على الارتفاع المستمر لأسعار الأراضي في ظل عوامل العرض والطلب . فإذا أخذنا كمثال شارعاً واحداُ في أي منطقة سكنية ، فإننا سنرى أن ترتيب الاستفادة من قيمة أراضي البناء يتناسب عكسياً غالباً مع القيام بالبناء على هذه الأرض ، بمعنى أن مالك الأرض الذي تصرف بإيجابية أكثر وقام بالبناء أولا قد استفاد أقل ممن احتفظ بالأرض بدون بناء ، حيث يساهم الباني أولاً في رفع قيمة المنطقة بإعمارها ، وتساهم الدولة من ناحيتها في رفع هذه القيمة بما تقدمه من خدمات لهذه المنطقة تدريجيا بالتوازي مع ارتفاع كثافتها السكنية من ناحية ، وبتقصيرها - المبرر بقلة الإمكانيات – في توفير أراضي بناء جديدة من ناحية أخرى  وبحمايتها التشريعية لهذه الظاهرة السلبية على مستوى كلا من تحديد الإيجارات الثابتة والمنخفضة للمباني والإعفاء من ضريبة مناسبة على الأراضي الفضاء للمضارب السلبي من ناحية ثالثة ، ويخرج – عمليا على المدى الطويل – المضارب السلبي حتى الآن بفوائد الإنجاز الإيجابي لكلاً من جيرانه الملاك الذين قاموا بالبناء والدولة على حد سواء، وذلك في صورة ارتفاع مستمر في سعرأرضه، يغطي بل ويزيد بمراحل عن العائد المتوقع للبناء – وذلك على المدى البعيد – ، بما أسهم بالتالي في القضاء على جدوى النظام الإيجاري – من منظور التضاؤل الشديد والثبات المفروض على العائد النسبي للاستثمار الإيجاري مقابل العائد الرهيب المتزايد للمضاربة السلبية– ، وأفرز ذلك ظاهرة البناء التمليكي ، والتي تنصب جزئياً على تكريس نفس المبدأ للمضاربة السلبية ، هذه المرة على الشقق المبنية لغرض المتاجرة – أوقل على ارتفاع أسعار مكوناتها من أرض ومواد بناء وعمالة وهكذا ..
وإلى هنا – وفي البال ميزة هائلة ، أن الأرض غير المأهولة هي ملك للدولة ، على خلاف دول أخرى كثيرة ... فيبدو الحل القريب من وجهة نظري – البعيد من وجهة النظر السائدة – حاملاً التفسير الواضح لما أقصده بمبدأ شمولية الحل لمشكلة الإسكان – مقابل الحلول الجزئية المطروحة ، وهو ببساطة الاغتراف السخي من أراضي مصر غير المأهولة لتوفير قطعة أرض لكل شاب ... نعم ... بل ولكل مصري ، وفاء للاحتياجات و تعظيماً للتنمية ، من خلال خطة واحدة قصيرة الأمد – يتم فيها هذا التوفيرعلى التوازي، وليس على التوالي كما هو حادث الآن – بما يقفز بحجم الإنجاز إلى مستوى الإنجاز شبه الفوري زمنيا ... والمقصود باحتياجات كل شاب هنا الاحتياجات الحياتية المتكاملة من سكن ومأكل وعمل وإنتاج ، أي هي احتياجاته التنموية و ليست الاستهلاكية فقط .. – ومن التنوع المحدود في إمكانيات البناء الفوري على قطعة الأرض المعطاة من خلال المشروع يتولد أولى عناصر التنويع المقابل في القيمة المقدرة للمردود السكني ، كما سيأتي ذكره تفصيلاً لاحقاً – ... عندها تتضاءل قيمة الاستحواذ على الأرض من أجل المضاربة ، وتحل محلها قيمة البناء والتعمير في رفع قيمة هذه الأرض . وفي سبيل هذا الهدف الأخير – أي توفير أدوات البناء والتعمير –  نواصل من خلال هذه الورقة بحثنا من أجل حل متكامل للمشكلة ، وعلى مدار هذه الورقة سنطرح أبعاداً أكثر تفصيلاً لهذا الحل المقترح ، والخطوط العريضة للخطة قصيرة الأمد ، وإمكانيات منظومة الطاقات الكامنة في محيط التنمية العمرانية ، وأطرافها الفاعلة من الأرض والبشر – شعباً وحكومة –  وأدوات التنمية –  من الفأس إلى الكمبيوتر ...
وإذا كان القضاء على مفهوم المضاربة السلبية – أوعلى الأقل تحجيم مضاعفاتها – هو أحد الأهداف الرئيسية لطرح الأهمية الحتمية لشمولية المواجهة لمسألة الإسكان ، فإن الموضوع لا يقتصر على هذا الهدف ... فالقائمة طويلة والأمثلة كثيرة ... وتتضمن خلق قاعدة عريضة جداً من الالتفاف والانتماء وقومية المشروع بعرض القاعدة العريضة من شباب مصر – في طليعة كافة فئات الشعب – ، وبها يتحقق المقياس الصغير المناسب لتفتيت أزمات ومشاكل الإسكان والغذاء والصناعات الحرفية إلى الصعيد الشخصي، وكذا توزيع العائد إلى أقصى مستوى من العدالة يتحقق من خلاله رفع قاعدة الدخل على المستوى القومي بصورة متوازنة دون أي تضحيات طبقية أو نوعية ... ، ولهذه القاعدة العريضة يتم النقل الحقيقي للمساهمة في المواجهة الفعالة للأزمات والمشاكل المذكورة – في خط مواز للزراعات والصناعات كبيرة المقياس – و في مقدمة ذلك كله – وكما سنرى إن شاء الله تعالى على مدار الورقة – ما يمثله الفكر المقترح من تحول في فهمنا لطبيعة المشكلة ، من تقديم خدمة حيوية وهي الإسكان ، إلى المساهمة في تكوين بيئة صالحة لممارسة الأنشطة الحيوية والتنموية، بما يعنيه هذا المفهوم من دفع لعملية الإنتاج ، ومساهمة في رفع المستوى الاقتصادي للمجتمع بصورة متوازنة على مستوى كل الطبقات والتخصصات ... لا من حيث فتح الآفاق الرحبة لتشغيل العمالة في التنمية العمرانية بمجالاتها المتنوعة فحسب – على الرغم من الأهمية القصوى المعطاة لهذا العنصر – بل وفي صب جل اهتمام المشروع في دمج وتطوير النشاط التنموي لمراحل البناء مع مراحل الإدارة الحياتية المستمرة للمجتمع – القائم والمستحدث – على المدى البعيد والمتواصل .
(٢) المشاركة الإيجابية بنظام فائض الوقت
اشتهر مصطلح "الجهود الذاتية" في مصر بكونه المشاركة المالية في تحمل أعباء المشروعات التنموية و الخدمية في أغلب الأحيان ، وهو تعريف لا بأس به في نظر البعض إذا سلمنا بأن هذا التمويل سيمثل دور "الوسيط" – أو مصطلح ما بهذا المعنى – في ترجمة كلا من الجهود والعائد في النهاية ، ولكن الملاحظ عمليا أن شيئاً ما في عملية التمويل هذه – ربما نتوسع في دراسته –  يقصر الاستفادة من هذه الجهود التمويلية على قطاع محدود من المشروعات ، وربما كان هذا الشيء هو ببساطة قلة الإمكانيات المالية –  نفس المتهم المذكور آنفا – وربما كان غيره . سأبدأ حديثي هنا بذلك القطاع الذي يفيد فيه تعليق لافتة  "الوسطاء يمتنعون – مؤقتا" ، وأعني بذلك قطاع من لا يمتلكون حالياً التمويل الفعال الذي يمكنهم من المشاركة في عملية التنمية ، ولكن يمتلكون بكل تأكيد أدوات أخرى شديدة الفعالية .. نراها جميعاً في كل مكان .. طاقات فعالة وخلاقة .. رصيد استراتيجي من حيوية الشباب وخبرة الشيوخ .. ، أتحدث عن ملايين الشباب ممن يملكون جهد سواعدهم وعقولهم ، ويملكون عزمهم وطموحهم وآمالهم العريضة، ويملكون حسهم الوطني الذي ما خيب ظناً حسناً أبدا. أتحدث عن جيل يقف على مشارف حياته العملية ، وقد تسلح بعلم أوتسلح بحرفة  وكلاهما مستودع للطاقات وذخيرة لمعركة البناء هذه ... وهو جيل الأبناء . كما أتحدث عن جيل سبق هذا الجيل في العطاء ، واكتسب خبرات في الحياة العملية و مهارات لا تكتسب إلا في مدرسة الأيام والليالي ... وهو جيل الآباء . ثم جيل شاءت ميكانيكية المجتمع التقليدي المعاصرأن يتقاعد وهو في قمة النضج والعطاء ... وهو جيل القمم ... قمم العلم وقمم العمل ... في كل مجال يخطر ببال ... ثم أؤجل الكلام عن رصيد الإمدادات للتنمية ... جيل البراعم ... إلى حين .
في الحقيقة أرى في هذه القوى الخلاقة مجتمعة منظومة مختزنة من الطاقات – أو قل هي إن جاز لي التأمل و التعبير ككنز تحت جدار ... نسأل الله تعالى أن يخرجه لنا برحمته – أرى في كل قطاع من هذه القطاعات مكون رئيسي من آلة جبارة ، تنتظر من يجمعها على أسس صحيحة ، ويغذيها بالوقود المناسب ، لتنطلق في الإنتاج والإبداع . أما الجمع على أسس صحيحة فهو إيجاد نظام متكامل للاستفادة من جهود هذه القطاعات ، وأما الوقود المناسب فهو إمداد هذه الجهود بعنصر الأرض – وربما شيء من تمويل كما سيأتي ذكره -  وأنا لن اقصر حديثي هنا على الطاقات المعطلة بمعنى البطالة الكاملة ، ولكني سأستحدث مفهوماً لنطلق عليه "نظام فائض الوقت" ، وفي إطار هذا المفهوم فإنه يمكن لكل فرد أن يكون له فائضاً من الوقت يتراوح بين ساعات العمل الممكنة كلها – في حالة البطالة الكاملة – ، وبين أقل وحدة من ساعات العمل الممكنة – قد يمثلها جزء فقط من عطلته الأسبوعية مثلا – ، مروراً بكافة احتمالات ساعات العمل الإضافية الصباحية والمسائية على مرأيام العمل المعتادة للعاملين في كافة القطاعات ، وبما يشمل إمكانيات تخصيص نظام تبادلي للإجازات بدون مرتب مثلاً لفترات معينة للعاملين في أي من القطاعات التي تعاني من التكدس أوالبطالة المقنعة ، بما يتيح تنظيماً أكثر اتقاناً لعملية صب الجهود البشرية في إطارالمشروع المقترح، وبما يفتح الباب أمام كافة الأشكال التعاونية التنظيمية –  وللأشكال القائمة منها فعلاً كل التقدير ... والتمنيات بكل التطوير – التي تترجم في النهاية هذه الجهود في صورة فعالة ، ناهيك عن إمكانيات دخول كيانات قائمة – عامة وخاصة – في إطار هذا المشروع بتنظيماتها المقننة ، مشاركة بصورة جماعية في الإنتاج والعائد، كأن تخصص شركة أو هيئة ما قناة للمشاركة في أنشطة المشروع  ككيان واحد له تنظيمه الداخلي ، الذي يتيح الإفادة من جهود العاملين بصورة أكثر فعالية . فيما تحتم الضرورة دخول هيئات معينة في صورة مقننة مركزية لطبيعة عملها ، وأقرب أمثلتها وزارات كالدفاع والداخلية والخارجية وغيرها ، وهي مما يحتاج إلى تفصيل دقيق في موضع آخر ... ومن التنوع في ساعات العمل الفائضة المتاحة من كل مشارك في المشروع يتولد أحد عناصر التنوع المقابل في المردود السكني كما سيأتي ذكره لاحقا.
أما عن الناتج من إجمالي ساعات العمل هذه القابلة للاستغلال على مستوىالدولة فحدث ولا حرج ، فنحن نتحدث عن بضع عشرات من الملايين منالأشخاص –  يشكلون تعداد مجموعة دول من المجاورة لنا – ، ونتحدث بالتالي عن بضع من مئات الملايين من ساعات العمل "الفائضة" تتجدد مع إشراقة كل شمس ، أو قل المليارات من ساعات العمل الفائضة على أي مستوى للقياس الشهري –  ويمكن أن نتسلى بحساب القيمة المادية لهذه القوى البشرية بضربها في أي قيمة افتراضية مناسبة لعائد الإنتاج في ساعة العمل الفائض ..عجباً ..!– . تهدر هذه القيمة البشرية أو المادية في وقتنا الحاضر ، ويهدف مشروعنا المقترح إلى العزف على أوتارها – على الأقل –  بلا مس لأوتار ساعات العمل الحالية . وإذا كنا نعيش عصر المصطلح اللطيف "الخصخصة" ، فأنا أقول أن خصخصة ساعات العمل الفائضة المذكورة هي مفتاح الموقف ، فهي خصخصة لاستثمار مهدر لا يتنازعه حالياً قطاع عام أو أعمال أو خاص ... محلي أو عالمي ...، فساعات العمل هذه لن تصب سوى في إطار تحقيق العائد المباشر لصاحبها دون وسيط ، وما علينا إلا أن نرتب الأوراق لتحقيق هذا الهدف . لعلنا نوفق في تطوير مصطلح آخر أكثر لطفا وهو " نظام المشاركة بالوقت " ، ليصبح دالة للعمل والإنتاج والتنمية ومن ثم للرخاء ، بدلاً من كونه مرادفاً فقط لدفع ثمن وحدة سكنية لقضاء أسبوع وحيد للأجازة السنوية على شاطئ البحر الأحمر على مدار السنة كلها ... مع كامل احترامي واعتذارى لهذا النظام !
(٣) تكامل الأنشطة
هل تقوم تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة على الأنشطة البنائية فقط ؟ أو بمعنى آخر هل يقتصر دور التخطيط العمراني على رسم خطة متكاملة لتنمية المجتمع العمراني الجديد على أساس مراحله البنائية – بما فيها توفير أنشطته الخدمية – بصورة تدريجية توفر الحيز العمراني لاستيعاب الأنشطة الحياتية فيه ؟؟ الإجابة من الواقع العمراني المعاصر – غالباً – ... نعم !! بل وأن سلسلة من تطورات الفكر العمراني القديم والحديث على حد سواء قد تشكلت في ظل الاعتراف بهذا الواقع ومسايرته ، فنجد أستاذ الجيل المهندس/ حسن فتحي، وقد طرق باب المشكلة المزمنة للإسكان من خلال طرح برنامج تعاوني للبناء  يقوم – بصورة رئيسية – على أساس استثمار القدرات التعاونية لمجموعات السكان ، وتطويرها في مجال الطرق المحلية للبناء ، وتعميم هذا البرنامج على المستوى القومي . وشبيه بذلك عدة مقترحات طرحت مؤخراً عن نظم تعاونية أيضاً ، تقوم بعضها على التبادل المنفعي بين أصحاب حرف البناء ، حيث يحل المجهود البنائي في كل مجال تخصصي محل المقابل المادي المطلوب للبناء المتكامل ، وينتج عنه توفير مباني متكاملة ، ثم تغطية جزء من تمويلها على صورة أنشطة حرفية ، بدلاً من التمويل السائل التقليدي . ناهيك عن شغل الساحة جزئياً بفكر التنمية الذاتية للمجتمعات العمرانية من خلال جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل ، وبالتالي تنمية الدخل وصبه في التنمية العمرانية مرة أخرى وهكذا ... وكلها اتجاهات قيمة ... ولكني أراها جديرة بالتطور في اتجاهات متعددة ... لعل من أهمها توسيع منظور هذه الأنشطة لتشمل – إلى جانب الأنشطة البنائية – الأنشطة الحياتية ذاتها . فالنظرة الحالية المذكورة تكتفي برؤية العناصر المادية الملموسة من مباني ومرافق وتجهيزات على كافة المستويات ، وتغفل إلى حد كبير الأنشطة والنظم الحياتية غير المادية – أي الممارسة ذاتها كنظام ذي جوانب بشرية ومهنية وتمويلية خارج مسألة العناصر البنائية والتجهيزية – بمستوياتها المختلفة ، إنتاجية كانت أو خدمية ، كالتعليم والصحة والثقافة وما إلى ذلك . وأنا أرى أن هذا الانفصال في النظر إلى كل من الأنشطة البنائية والحياتية هو أحد أهم الأسباب للنمو غير المتوازن للمجتمعات العمرانية الجديدة ، فعندما تسبق الأنشطة البنائية تلك الحياتية نرى مشاكل من فصيلة المعدلات المتدنية للاستيطان في مدننا الجديدة ، وعندما تسبق الأنشطة الحياتية – أو بالأحرى بعضاً منها – تلك البنائية – خاصة الخدمية والمرفقية –  نرى مشاكل من نوعية الإسكان العشوائي ... و ما محاولات تطوير كلا من النوعين من الإسكان – الجديد والعشوائي – إلا في اتجاه تحقيق التوازن المفتقد والذي لزم تصميمه ووضعه في الاعتبار منذ البداية . وتقريباً للأذهان أطرح هذا المثال للتفرقة بين الأنشطة الحياتية والبنائية ، من واقع المشاكل الدارجة في المدن الجديدة مثلاً ، فنرى أن المخطط والمنفذ قد اهتما بوضع وتصميم وبناء مستشفى لكل منطقة سكنية معينة طبقاً للمعايير التخطيطية ، بل ويتم تجهيزها بأحدث المعدات ، وكلها أنشطة بنائية –  قد تخضع لأقصى معدلات الفعالية في تخطيط توقيتات البناء من خلال نظم الكمبيوتر المتقدمة – ، ولكن توفير العمالة الطبية المتكاملة –  ولا أقول فقط الأطباء – هو الذي تأخر ، وتسبب بالتالي في تأخر الممارسة الحياتية للنواحي الصحية، رغم توفر الحيز العمراني لذلك . وتترابط أسباب هذا التأخر في ممارسة الأنشطة الحياتية ببعضها البعض في سلسلة طويلة ، فالأطباء ومعاونوهم قد يفتقدون في هذه المدن الجديدة مثلاً النظم التعليمية المناسبة لأولادهم ، والمعلمون قد يفتقدون الرعاية الصحية المناسبة ، والجميع قد يفتقد الخدمات الثقافية والترفيهية وهكذا .. – ولندع مشاكل التمويل جانبا إلى حين – ، فحسابات توفير الأنشطة الحياتية إذن هي من الضروريات لبناء مجتمع عمراني متكامل ينمو بصورة متوازنة ، وهو مجتمع لابد أن يقوم على الانتماء الحقيقي وتعميق الجذور ، وليس على ندب وزارة الصحة مثلاً لأعداد من الأطباء منبتي الصلة بالحياة اليومية الحقيقية لهذه المجتمعات ، بل لابد أن يكون هؤلاء العاملون جزءاً من النسيج الحياتي للمجتمع بكافة طبقاته وتخصصاته ...
وفي الحقيقة فأنا أتخطى مرحلة الإيمان بضرورة النمو المتوازن لنوعي النشاط المذكورين – البنائي والحياتي – ، لأصل إلى مرحلة الإيمان بإمكانية استثمار هذا النمو المتوازن لتصميم وتحقيق أهداف تنموية متقدمة ! فأنا مثلاً أطمح إلى تصميم مجتمعات عمرانية تتحقق فيها على مستوى النشاط البنائي بيئة مدروسة ومنفذة على أعلى المستويات لكل التفاصيل – ولو بصورة تدريجية – ، بداية من التخطيط والتصميم المعماري والتفاصيل التنفيذية ، ومروراً بالإشراف على التنفيذ ومراقبة الجودة، وانتهاء بالصيانة الدورية لهذه البيئة العمرانية . وتتحقق فيها بيئة إنتاجية متخصصة ، وأحد أمثلتها الاستصلاح الزراعي ، وقوامها الأرض التي يتم توفيرها ، ثم عناصر الاستصلاح من أسمدة وتقاوي ومجهود بشري وآلي ، وعلى رأس القائمة احتياجات مائية ونظم ري متقدمة – في إطار نظم فردية أو تعاونية أوحتى شركات متخصصة لإدارة هذه النوعية من الإنتاج سواء كان للاستهلاك المحلي الضيق أوالتسويق على نطاق واسع – ، أوبيئة حرفية متطورة على نفس النمط المقترح . كما تتحقق فيها على مستوى النشاط الحياتي نظم تعليمية متطورة ، تشمل محواً كاملاً لأمية السكان غير المتعلمين ، والارتفاع بمستوى كافة الملتحقين بالتعليم الثانوي في استخدام مجموعة من أساسيات وتطبيقات الكمبيوتر مثلاً ، وعلى نفس النسق برامج للرعاية والتأمين الصحي الشامل على أعلى المستويات، وخدمات أخرى في هذا الاتجاه ... فأبدأ بوضع هذه الاحتياجات المستهدفة بصورة معدلات بنائية وبشرية وزمنية في نفس الوقت ، ثم ترجمة هذه الاحتياجات إلى مراحل للنمو ، تتبلور فيها هذه المعدلات كمدخلات ضرورية لتحقيق النمو المتوازن الذي يستهدف إشباع هذه المرحلة بصورة مناسبة ... تماما كتغذية أي كائن حي وتربيته ورعايته لينشأ النشأة السليمة التي تتيح له النضوج على أسس سليمة ... ومدخلاتي الضرورية لتلبية احتياجات هذا النمو المتوازن هي نفس مكونات المجتمع بصورتيها المادية والحياتية : الإمكانيات المالية و البنائية التقليدية من ناحية والإمكانيات البشرية المؤهلة من الناحية الأخرى ، وهما في هذه المعادلة طرفين متوازنين ومتكافئين ، فاحتياج البشر إلى هذا المجتمع العمراني ( في صورته البنائية ) هو نفس احتياج المجتمع المذكور إلى البشر ليشكلا سوياً المجتمع العمراني المتكامل المستهدف ... فإذا ما اقتنعنا بهذه الصياغة للمشكلة فيسهل علينا الآن تصور الحل المطروح في مشروعنا المقترح ، حيث يعمم الاحتياج للقوى البشرية لتشمل معظم التخصصات المعروفة التي من خلالها تدار الحياة اليومية وليس فقط التخصصات البنائية التقليدية ، وحيث تشكل نظرية التبادل المنفعي – البديل الجزئي المقترح للتمويل التقليدي – اساساً صالحاً على مستوى القاعدة البشرية الواسعة بكافة تخصصاتها وليس فقط القطاع المحدود من التخصصات البنائية . وإذا كانت الصورة التي يستفاد بها من التخصصات البنائية في تنمية المجتمع العمراني هي الصورة الدارجة سهلة التصور للمشاركة من خلال البناء ببنوده المتنوعة ، والتي بانتهاء العمل فيها نحصل على المنتج النهائي واضحاً (رسومات – مباني – تشطيبات – تجهيزات ... ) ، فإن الصورة التي نحصل بها على المشاركة الفعالة من كافة القطاعات الأخرى هي صورة يتداخل فيها عنصر الزمن بصورة واضحة ، حيث أن عمل التخصصات المشاركة بالبناء يستغرق فترة معينة ، قد تقع في بداية التعمير للمنطقة السكنية ، ومستغرقاً فترة محدودة نسبياً ، فيما يتلوه عمل التخصصات الحياتية الأخرى ، والتي تستغرق أحياناً فترات أطول للحصول على نفس المكافئ المادي لهذا العمل البنائي ، مما قد يستدعي عقوداً قانونية طويلة الأجل مع هذه الفئة من المشاركين في المشروع للتمويل الجزئي لإفادتهم من المشروع بجوانبه السكنية والخدمية الأخرى . فنطرح مثالاً لطبيب يمثل المكافئ المادي الذي يقدمه للمشروع تعاقداً عن عدد معين من سنوات العمل في المستشفى المحلي –  للمنطقة التي تتبع للمشروع المقترح –متقاضياً أجراً معينا ، هو باقي طرح أجره العادل ناقصاً المكافئ المادي الذي ساهم به في المشروع والذي يحصل بمقتضاه على قطعة أرض بقدر معين من المرافق والبناء ... وهكذا ... (وإذا جاز لي التأمل والتعبير ... فربما يكون مفهوم المكافئات هذا قد اعتمده اثنان من أنبياء الله تعالى في تنمية حياة كريمة ، ونزل بهذا أحسن القصص في القرآن الكريم ... كأهم أصول هذا الفكر أياً كانت نماذج تطبيقه الدارجة، والتي تحمل البعض منها أوزار الفكر السياسي الحاكم بأبعاده الأخرى المتشعبة ... )، ومن التنوع في تقدير قيم المكافئات المالية يتولد أحد عناصر التنوع المقابل في المردود السكني ... وهو ما يتم بحثه بصورة أكثر تفصيلاً لاحقاً...
(٤) المقياس المناسب (الدمج الوظيفي للفراغات(

لعل البعض من القراء لا زال يتسلى بحساب القيمة المادية للقوى البشرية التي أشرت إليها آنفاً في إطار مفهوم فائض الوقت ! ... مهلاً فإن للحساب بقية !!
إن عنصرنا الأول سالف الذكر وهو القوى البشرية له العديد من المسميات حسب وجهة نظر المتحدث ، فيطلق عليه أحيانا – من قبيل الضجر – التكدس السكاني، وهو يتشابه في هذه الظاهرة – أي تعدد المسميات – مع العنصر الثاني المقصود الآن بهذا الحديث ، ألا وهو عنصر الأرض ، أو قل – إن شئت الشكوى – الصحراء عديمة المرافق التي تشكل حوالي ٩٥٪ من مساحة مصر !! .. ويمثل العنصران معا ً: التكدس السكاني و الصحراء العظمى عديمة المرافق أهم ملامح واقعنا العمراني المعاصر ... وما دمنا بصدد الحديث عن الكنوز المخفية والمدخرة لشعب مصر فلنخرج – بعون الله تعالى – ثاني عناصر الكنز في صورة ملائمة لطموح هذا المشروع في تنمية بيئة عمرانية منتجة وفعالة ولنطلق طاقات الشباب "مارد العصر الحديث" من " قمقم " وحدات الـ ٦٥ متراً مربعاً التي طال حبسهم فيها ، منذ انقلبت مفاهيم الناس من تصور الإسكان كمحتوى فراغى لأنشطتهم الحيوية التي تنمو وتفيض خيراً، ليصبح – ويا للأسف – سترا للعورات ولو جاورالقبور ... وياليته ستر ... ! ... بل وقل منذ انقلبت مفاهيم التنظيم المجتمعي ، لتصبح الإدارة المجتمعية دالة لحصار الأنشطة البشرية الحيوية والمنتجة بديلاً عن تنظيمها !!
وقد عهدنا دوماً مشروعات الإسكان –  بل والإسكان العشوائي نفسه – وهي تقدم لنا أنماطاً من الإسكان الاقتصادي والمتوسط يتراوح بين الـ ٦٥ متراً مربعاً وبين ضعف هذه المساحة ، شققا سكنية في عمارات متعددة الأدوار، مكتملة التشطيب والمرافق ، تتيح للإنسان النوم والأكل والمعيشة اليومية بشكل أو بآخر، وتعتمد هذه الوحدات السكنية في مجموعها على شبكات للمياه والصرف الصحي والكهرباء – تكافح الحكومة لتوفيرها – . كما عهدنا مشروعات الإصلاح الزراعي والإنتاج الحيواني تقدم لنا المشروعات كبيرة المقياس من عدة آلاف من الأفدنة ، تقسم بواقع خمسة أفدنة للفرد ، ليبدأ منها رحلة الكفاح ، ضد عوامل التعرية والري والأمن و غيرها . وعهدنا أيضاً مشروعات التنمية الحرفية وهي تعمل على تقديم العون التدريبي أحياناً والتمويلي أحياناً أخرى ، وتفتقد في الغالب الحيز المكاني الملائم – وراجع إن شئت تجربة الصندوق الاجتماعي – ... وتستهلك هذه المشروعات الغالبية العظمى من ميزانية الدولة المخصصة لهذه الأغراض فيما تتراوح نسبة الشريحة السكانية المستهدفة فيها بين نسب غير مؤثرة لا تتجاوز أحياناً الخمسة بالمائة من أعداد السكان .. !
وقد جربنا كل هذه الأنماط من المشروعات ، وقتلناها تجربة وبحثاً وتقييماً !! وأنا أدعوالآن إلى تغيير منطقي – على الأقل يتفق مع منطق هذا الفكر منذ البداية ! – ، وهو تغيير ينصب بداية على المقياس المقترن بفك ازدواجية أهداف المشروع المقترح – أو تعدديتها علىأية حال ! – .. فبنظرية التخطيط بالأهداف سنرى أنه على المستوى الفردي للإفادة بالمشروع المقترح –  من حيث أنه إطار للتنمية العمرانية المتكاملة وليس الإسكان – فنحن نحتاج لأن نوفر وحدة تنموية تعج بأنشطة الأسرة الحياتية : السكن الصحي – الإنتاج الزراعي – أنشطة التربية الحيوانية المنزلية الصحية – الإنتاج الحرفي والصناعي الصغير المقياس الآمن من الناحية البيئية – الأنشطة غير التقليدية كالإنتاج الفني المناسب ... الخ ... وأما من حيث المقياس فإن التوسع في مقياس المساحة المعطاة لتحتوي أنشطة أخرى إلى جانب السكن سيتيح سكناً صحياً بصورة أفضل ، ويتلاقى مع فكرة ممارسة الأنشطة المنتجة – ولنبدأ بالنشاط الزراعي بمفهوم متطورعلى سبيل المثال – من ناحية أخرى ... ولنضغط مقياس هذه الأنشطة هذه المرة ، لنتحدث عن الحد الأدنى من مساحة الأرض التي يمكن استصلاحها مثلاً في حيز سكني عمراني بصورة منتجة يمكن أن يشملها أياً من النشاط الفردي أو إحدى صور التعاونيات المنظمة ، ولنفترض مبدئياً – إلى أن يثبت بالدراسة غير ذلك – أن مساحة ألف متر مربع – حوالي ٦ قراريط – هي المساحة التي لو أحسن تنميتها زراعياً بصورة رأسية – أقصد مكثفة الرعاية والإنتاج – يمكن أن تمثل الحد الأدنى – لاحظ .. الأدنى – المستهدف في مشروعنا ليختص بها كل مشارك في المشروع ، ولنقل إنه بالإمكان مضاعفة هذه المساحة المنتجة بحيث يخص كل مشارك في المشروع مساحة ألف متر مربع أخرى ، ولكنها هذه المرة ليست ملكية خاصة ، ولكن لنقل شبه خاصة ، حيث يتم تنميتها بصورة جماعية بأشكال من الإدارة المجتمعية التي يمكن مناقشتها لاحقاً، وحيث تمثل هذه المساحة الإضافية النصيب المخصص للمساحات المفتوحة العامة بأنشطتها المتنوعة في إطار التخطيط العمراني للمجتمع الجديد ... !!!
إن الفكرة الرئيسية التي أطرحها لدمج المساحات السكنية بالمساحات الزراعية – المستصلحة – أو المناطق الإنتاجية والصناعية الآمنة بيئياً – الدمج الوظيفي للفراغات – تعني أن الحديث عن المعدلات والمعايير التخطيطية الدارجة قد أصبح غير ذي بال !! .. فالأرقام المطروحة هنا قد تمثل طموحات غيرمألوفة للفكر التخطيطي التقليدي، ولكني أظنها منطقية في ضوء تقييم تجارب عشرات السنين ، التي تزخر بالشكوى من ضيق المساحة للوحدة السكنية لملايين الناس من ناحية ، ومن عدم التآلف بين إمكانيات شباب الاستصلاح الكادح – وغير المتخصص أحيانا – وبين تكلفة – أو مقياس – أنظمة الزراعة والري في نطاق مساحاتهم المزروعة من ناحية أخرى ، ومن عدم فعالية قروض الصندوق الاجتماعي لاشتراطات توفير المكان المناسب لممارسة النشاط الحرفي من ناحية ثالثة ، ومن افتقاد الملاعب الرياضية والمساحات الخضراء والحدائق العامة والأماكن الترفيهية من ناحية رابعة ، و ... غيرها مما تعودنا سماعه حتى فقد معناه أوقارب ذلك !!!
ولا تقتصر محددات هذا الفكرعلى المشاكل العامة – كبيرة المقياس – المذكورة ، بل يتخطاها إلى بعض التفاصيل : ففكرة التدرج في بناء المسكن مع النمو المتدرج لإمكانيات واحتياجات صاحبها مثلاً – وهو من أركان المشروع المقترحة لاحقاً – تتناسب مع تخصيص المساحة المذكورة ، بما يتيح النمو المتدرج للوحدة السكنية التي تحيطها – فتحميها وتتكامل معها – هذه المساحة ، وتسمح بالتالي باستقلالية في النمو بلا تفاعل سلبي مع المحيط السكني للآخرين – ، وهو ما يفتقد عند الحديث عن نمو متدرج لوحدة سكنية في عمارة متعددة الأدوار ... والتي طبقتها إحدى التجارب الإسكانية المفيدة ... فتعارضت توقيتات استكمال البناء والتشطيبات وكانت مصدر شكوى للسكان – ، كما تتيح المساحة المذكورة بدائلاً واقعية مرحلية لمشكلة الصرف الصحي مثلاً من خلال نظم للبيارات المنفصلة التي انتشرت قديما وتتناسب مع مثل هذا النوع من المساكن المستقلة محدودة الارتفاع - طبقاً للكثافة المستهدفة – بل ولعل من أهم ما تتيحه هذه المساحة المقترحة إمكانيات الامتداد الأفقي للمسكن ، بما يتفق والطبيعة الزلزالية للمساحات المعمورة التي نشطت مؤخراً ، والتي نتناولها في عجالة هنا ، ثم التناسب أيضاً مع إمكانيات استخدام طاقة نظيفة كالطاقة الشمسية ، سواء في الاستخدامات المنزلية أوالإنتاجية ... وهكذا ...
إن الصورة النهائية – الطموحة – لهذه المجتمعات قد تقارب صورة الضواحي الراقية في الغرب ، حيث الحدائق تحيط بالمساكن المستقلة ، مع تعديلات محورية في النظم المجتمعية  حيث الطبيعة الوظيفية الإنتاجية لمجتمعنا المقترح هو سمة رئيسية لا تنفصل عن مظهره، ويشكلان معاً الروح المستهدفة للمجتمع الإنساني نفسه .. وهو مجتمع تتراوح الوحدة البشرية المقترحة للمشاركة في تنميته بين الفرد الشاب ، والأسرة الصغيرة الناشئة (الزواج الحديث) ، والأسرة الصغيرة الناضجة ، والأسرة الممتدة (الأصول والفروع) ، وقطاعات الخبرة والوفاء لأجيال الآباء ، بل والمستثمرين الممولين من كل نوع كما سيأتي ذكره ... وتنتظم الإدارة العمرانية له بمقاييسها المتدرجة ، من إدارات مركزية أوتعاونية ، يندرج من خلالها تصنيفات المشاركين في المشروع على أسس جغرافية أو مهنية أو نوعية بكافة ما يحمله المصطلح من معاني ...
ولمن يسعون لحساب قيمة الكنزهذه المرة ، أرانا نتحدث – من خلال المعدلات المقترحة والشريحة السكانية المستهدفة في المرحلة الأولى من المشروع المقترح بمفهومه للتخطيط العمراني المستقبلي الشامل – عن مضاعفة المساحة المعمورة الزراعية والإنتاجية والعمرانية من أرض مصر – والتي نمت على مدى آلاف السنين – ، في إطار خطة واحدة قصيرة الأمد للجيل الحالي من شباب مصر
وما زال للتنوع في خصائص سكاننا المستهدفين تنوعاً مقابلاً في المردود السكني ، وأملاً بلا حدود في التنمية المتواصلة على أرض مصر ...