الوسطاء يمتنعون مؤقتا !


مجلة الأهرام الاقتصادى ، القاهرة – العدد –٢٩–١٤١٢ يناير ١٩٩٦
ورقة عمل لمشروع قومي
رؤية لمسألة الإسكان كمدخل إلى التنمية الشاملة ( مشروع المجتمعات الإيجابية(

في ٢٧ مايو عام ١٩٩٣ دارالحوار التالي بين الرئيس مبارك وبين الصحفي الأستاذ/ فتحي الإبياري في لقاء سيادته بمفكري مصر بعيد الإعلاميين .
أ. فتحي الإبياري – نائب رئيس تحرير أكتوبر: نتمنى أن تعود روح أكتوبر مرة أخرى ونحن نعيش نتائج هذه السيمفونية ... وأسأل ... كل هذا الجهد الكبير الذي تقوم به في مصر من أجل الخروج من المأزق الاقتصادي و من أجل شباب مصر ... لماذا لا تتكتل كل أجهزة الدولة ليكون عام ٩٣ – ٩٤ عام الشباب لتوفير الوظيفة والمسكن ويقوم الشباب ببناء مسكنه بنفسه ؟
الرئيس مبارك : أريد توضيحاً أكثر.
أ. فتحي الإبياري: يمكن إنشاء بنك للشباب ويرصد له مبلغ مائة مليون جنيه مثلاً لبناء مساكن لهم بأنفسهم .
الرئيس مبارك : إنني على استعداد لكي أنشئ لك البنك وأضع لك فيه المائة مليون وتعال حل المشكلة.
أ. فتحي الإبياري: نريد أن نعيد الانتماء للشباب ... توجد بطالة ولا يوجد عمل مما يدعو الشباب للانحراف.
الرئيس مبارك : البطالة موجودة في مصر والعالم كله مليئ بالبطالة ، وأعتى الدول الديموقراطية وأغناها الولايات المتحدة الأمريكية عندها بطالة وديون ... ما زالوا يبحثون عن فلوس للعناية الصحية... اليابان وأسبانيا وانجلترا وفرنسا تعاني من نفس المشكلة ، ودول العالم الثالث غير معروف عدد البطالة فيها. لقد قرأت مقالة عن إصلاح اقتصادي في بلد يحدث فيه الإصلاح بلا مشاكل ، هذا الإصلاح لا يحدث لصالح الجميع في تلك الدولة ولكنه يتم لصالح فئة معينة ، فالمقارنة يجب أن تكون عادلة والمعلومات يجب أن تكون كاملة ...
إنني أنظر دائماً للبعد الاجتماعي ، كل ما يتم عمله في مصر هو من أجل الشباب ... جميع الخدمات الأساسية للشباب ... ولولا البنية الأساسية ما وجد الشباب فرصاً للعمل في المدن الجديدة ... كل ما نفعله هو للمستقبل ، والمستقبل هم الشباب ... إنني لا أحب فرقعة الشعارات ... لو أحضرت خطة معقولة فأنا على استعداد لأن أعمل لك بنكاً وأعطيك ٣٠٠ مليون جنيه وأعملك نائب وزير وتتولى مسئولية البنك وتحل المشكلة ... الكلام سهل نحن نعمل للشباب بقدر ما نستطيع ... لقد عينا في العامين الماضيين أكثر من ٢ مليون مواطن  وأوجدنا لهم فرص عمل ... الدولة الآن فيها أكثر من ٤ ملايين موظف ، وهذا عبء على الحكومة ... نحن نحاول إيجاد فرص إنتاجية لهم وهذا ما يتحقق من خلال المشروعات التي تقوم بها الدولة.
وعلى مرالسنين ، وكثر ما تناول الرئيس مشاكل التنمية والإسكان بالاهتمام –  حتى ساعتنا هذه – ، ووفرة ما كتب عن أزمة الإسكان وجهود حلها ،أجد في كلمات هذا الحوار للرئيس – التي اخترتها عامداً من بين العشرات من المناسبات المماثلة – علامة مميزة أستهل بها هذه الورقة ، وإلى سيادته أهدي السطور القادمة ... مفاهيماً يربط بينها وحدة الهدف والفكر ويجمعها في صورة متكاملة إطار للمشروع المقترح ...
(١) شمولية الحل

هل نرجع معاً بالذاكرة إلى معركة العبور المجيدة، ونتصور سوياً –  حتى ولو بخلفياتنا العسكرية المحدودة – أن قواتنا المسلحة الباسلة قد قررت أن تعالج الموقف المتجمد وقتها بعمل عسكري محدود لا يرقى إلى مستوى الحرب الشاملة التى خاضتها ، وأنها اكتفت بالهجوم – الفعال – في منطقة محددة من الجبهة – بلا نية للتوسع – تذرعاً بقلة الإمكانيات ، وأنها تسعى إلى الحل الجزئي المتاح من خلال عبور الجيش المصري كله من خلال ١٠٪ فقط من طول خط المواجهة على القناة مع توقع تحييد القوات المعادية على باقي امتداد هذا الخط للمواجهة ! أو لنقل افتراضاً أن هذا الحال كان على مستوى قيادة القوات الجوية ، التي ارتأت لقلة الإمكانيات أن تركز ضربتها الجوية – الرئيسية – الأولى على ١٠٪ من الجبهة فقط ، ومن بعدها توفر مظلتها الجوية لنفس النسبة من سماء قواتنا المقاتلة وجبهتنا الداخلية تحت شعار "الإمكانيات المتاحة" . أن البديهة تقودنا إلى تركيز القوات المعادية وحشدها في هذه المنطقة للقضاء على هذا العمل العسكري ، وتكون النتيجة استنفار الهجوم المضاد للعدو والاحتمالات الأكيدة لتدهور الموقف لغير صالحنا – لا قدر الله – ومن ثم تأتي النتائج عكسية تماماً، ولا يعفينا ساعتها كل النوايا الحسنة أو أعذار قلة الإمكانيات من مغبة هذا التصرف الافتراضي ... إن شيئاً من هذا يحدث – ولو جزئيا – على ساحة المواجهة لمشكلة الإسكان ، فإنه –  وبافتراض قلة الإمكانيات من منظور التمسك بمسئولية الدولة عن توفير الإسكان المتكامل بالمفهوم التقليدي الذي سيطر على متخذي القرار لفترة سابقة وتحور بعض الشيء لاحقاً –  يجري اتخاذ خطوات جزئية متلاحقة على مدى العقود الماضية بغية إصلاح غير جذري ولا كامل للموقف الإسكاني –  بقراءة الواقع وليس الخطط الطموحة ! وترتب على الكثير من هذه الخطوات مضاعفات جانبية، ليس من أقلها شأنا زيادة وطأة الأزمة على الشرائح العظمى من محدودي الدخل – وهم غالبية المواطنين طبقاً لمعظم التعاريف المتداولة لهذا المصطلح –  ومن الأمثلة الشائعة لهذا الإجراء قوانين الإيجارات في الستينيات ، والتي أفادت شريحة محدودة من المواطنين في ذلك الوقت ، ويدفع الثمن أبناؤهم في الوقت الحالي  وعلى هذا المنوال فإني أرى أن أي حلول جزئية في غير إطار شامل – حقيقي و مدروس – لمعالجة المشكلة ككل قد ساهم بشكل أو بآخر في زيادة المعاناة لباقي الشرائح السكانية. ويدخل في هذا الإطار غالبية مشروعات الإسكان المخصصة لشرائح بعينها ، والتي دخلت بدورها في دائرة المتاجرة – لصالح الطبقات الأقوى والأقدر على اختراق هذه المشروعات –والمضاربة السلبية التي سنتحدث عنها لاحقاً في ظل عدم دراسة العرض والطلب وإمكانيات الشرائح المستهدفة واحتياجاتها في مجال تنفيذ هذه المشروعات المحدودة . وقد أحدثت هذه الحلول الجزئية أحياناً تأثيراً شبيها بتأثير "التطعيم الطبي" فأثارت الجرعات الضعيفة من الحل رد فعل عكسي من المحيط الإسكاني، تمثل غالباً في ارتفاع قيمة الإسكان في حيز التطبيق ، وتأثر كل المحيط المجاور بهذا الارتفاع سلباً وغالباً على حساب الطبقات الأكثر ضعفاً ومحدودية للدخل من غير المستفيدين بالمشروعات الإسكانية. رأينا هذا كما سلف على نطاق واسع في تطبيق تشريعات الستينيات الإيجارية ، ورأيناه على نطاق معظم المشروعات التجريبية في كافة الحقب التالية الموجهة أساساً لحل المشكلة الأصلية للإسكان. (لاحظ مثلاً تأثير إقامة مشروع إسكان شعبي أوتحسين خدمات المنطقة على أسعار الإسكان في المحيط المجاور للمشروع ، ومدى إفادة نسبة محدودة من الشرائح السكانية المستهدفة، مقابل مدى التأثير السلبي غيرالمباشر الذي قد يحدثه المشروع على أسعار الإسكان بالمنطقة المجاورة كلها . بل إني قد أتوسع وأنسب إلى هذه الحلول الجزئية تأثيراً ما على نمو العشوائيات التي اجتذبت جل انتقادات المسئولين مؤخراً ، وهي من وجهة نظرى كانت متنفساً لمحدودي الدخل، اجتذبته بالدرجة الأولى الخدمات التي تتوفر لمناطق عمرانية حظيت باهتمام الدولة ، وصبت فيها الأجهزة الرسمية المعنية إمكانياتها المحدودة ، رغم أن هذه الإمكانيات أصلاً ملك لكل من سكان مناطق الإسكان الرسمي والعشوائي على حد سواء ، باعتبارهم جميعاً مصريين يؤدون نفس الالتزامات، فظلمنا جميعاً لهؤلاء الناس يبدأ بتخطيهم في توفير الخدمات المساعدة على النمو العمراني الطبيعي – ولن أسميه توفير الإسكان – ، ويضاف لهذا الظلم اتهامهم بالتعدي ومخالفة القوانين ، دون إيجاد بديل شرعي مناسب ... كأنما قدر لهؤلاء الناس أن ينتظروا طوال حياتهم فرجاً حكومياً قريباً طال انتظاره ... ، ثم لا يفتأ البعض يتأفف من هذه المجتمعات العشوائية ، صارفاً النظر عن الاستفادة الجزئية التي تتحقق للمجتمعات العمرانية الراقية المخططة من خلال تلك المجتمعات العمرانية العشوائية النمو – التي تزحف على أطرافها لعلها تحظى ببعض من مزايا جيرانها الغنية – إذ توفر لهذه المجتمعات مثلاً الأيدي العاملة الرخيصة  والتي تساهم بأكبر قدر في إنعاش اقتصاديات هذه المجتمعات العمرانية الراقية، وتوفير كلا من النواحي الخدمية والتنموية لها ... والمقصود من هذا الاستطراد هنا ليس بالطبع الدفاع عن العشوائيات ، بقدر ما هو لفت النظر إلى ما يحيط بهذا النمو العشوائي من ملابسات ، وعلاقته بالتوزيع المستهدف العادل والمتجانس لأنماط الإسكان – بل والتنمية العمرانية – من خلال خطة مقترحة شاملة ومتكاملة ، بما يلبي – بل ويستثمر – الاحتياج الطبيعي للتكامل في النمو بين كافة أنماط المجتمع العمراني ( .
وإذا كان هذا الجانب في إجماله هو أحد توابع الحلول الجزئية للمشكلة الإسكانية ، فإن تفاصيل هذا التأثير السلبي لا تخل من دلالات . فالموضوع يتعلق إلى حد كبير بالمضاربة السلبية على الأراضي والعقارات ، وأنا أطلق عليها سلبية لأنها تعتمد بصورة واضحة على الاستفادة بمجهود خارجي محيط بهذه الأراضي ، وقيمة مضافة من الغير للمنطقة ككل ، بلا مشاركة حقيقية في التنمية من جانب المضارب توازي ما يحققه من مكاسب . وخير مثال لهذه الظاهرة هو الموقف الحالي للإسكان في المناطق القائمة بكافة جوانبه التشريعية والتنفيذية ، وفيه لا نرى حافزاً قوياً للتنمية العمرانية ، بقدر ما نرى مكاسب محققة للمضاربة السلبية ، بمعنى شراء الأراضي مثلاً في الحيز السكني وإبقائها بدون بناء لأطول فترة ممكنة  اعتماداً على الارتفاع المستمر لأسعار الأراضي في ظل عوامل العرض والطلب . فإذا أخذنا كمثال شارعاً واحداُ في أي منطقة سكنية ، فإننا سنرى أن ترتيب الاستفادة من قيمة أراضي البناء يتناسب عكسياً غالباً مع القيام بالبناء على هذه الأرض ، بمعنى أن مالك الأرض الذي تصرف بإيجابية أكثر وقام بالبناء أولا قد استفاد أقل ممن احتفظ بالأرض بدون بناء ، حيث يساهم الباني أولاً في رفع قيمة المنطقة بإعمارها ، وتساهم الدولة من ناحيتها في رفع هذه القيمة بما تقدمه من خدمات لهذه المنطقة تدريجيا بالتوازي مع ارتفاع كثافتها السكنية من ناحية ، وبتقصيرها - المبرر بقلة الإمكانيات – في توفير أراضي بناء جديدة من ناحية أخرى  وبحمايتها التشريعية لهذه الظاهرة السلبية على مستوى كلا من تحديد الإيجارات الثابتة والمنخفضة للمباني والإعفاء من ضريبة مناسبة على الأراضي الفضاء للمضارب السلبي من ناحية ثالثة ، ويخرج – عمليا على المدى الطويل – المضارب السلبي حتى الآن بفوائد الإنجاز الإيجابي لكلاً من جيرانه الملاك الذين قاموا بالبناء والدولة على حد سواء، وذلك في صورة ارتفاع مستمر في سعرأرضه، يغطي بل ويزيد بمراحل عن العائد المتوقع للبناء – وذلك على المدى البعيد – ، بما أسهم بالتالي في القضاء على جدوى النظام الإيجاري – من منظور التضاؤل الشديد والثبات المفروض على العائد النسبي للاستثمار الإيجاري مقابل العائد الرهيب المتزايد للمضاربة السلبية– ، وأفرز ذلك ظاهرة البناء التمليكي ، والتي تنصب جزئياً على تكريس نفس المبدأ للمضاربة السلبية ، هذه المرة على الشقق المبنية لغرض المتاجرة – أوقل على ارتفاع أسعار مكوناتها من أرض ومواد بناء وعمالة وهكذا ..
وإلى هنا – وفي البال ميزة هائلة ، أن الأرض غير المأهولة هي ملك للدولة ، على خلاف دول أخرى كثيرة ... فيبدو الحل القريب من وجهة نظري – البعيد من وجهة النظر السائدة – حاملاً التفسير الواضح لما أقصده بمبدأ شمولية الحل لمشكلة الإسكان – مقابل الحلول الجزئية المطروحة ، وهو ببساطة الاغتراف السخي من أراضي مصر غير المأهولة لتوفير قطعة أرض لكل شاب ... نعم ... بل ولكل مصري ، وفاء للاحتياجات و تعظيماً للتنمية ، من خلال خطة واحدة قصيرة الأمد – يتم فيها هذا التوفيرعلى التوازي، وليس على التوالي كما هو حادث الآن – بما يقفز بحجم الإنجاز إلى مستوى الإنجاز شبه الفوري زمنيا ... والمقصود باحتياجات كل شاب هنا الاحتياجات الحياتية المتكاملة من سكن ومأكل وعمل وإنتاج ، أي هي احتياجاته التنموية و ليست الاستهلاكية فقط .. – ومن التنوع المحدود في إمكانيات البناء الفوري على قطعة الأرض المعطاة من خلال المشروع يتولد أولى عناصر التنويع المقابل في القيمة المقدرة للمردود السكني ، كما سيأتي ذكره تفصيلاً لاحقاً – ... عندها تتضاءل قيمة الاستحواذ على الأرض من أجل المضاربة ، وتحل محلها قيمة البناء والتعمير في رفع قيمة هذه الأرض . وفي سبيل هذا الهدف الأخير – أي توفير أدوات البناء والتعمير –  نواصل من خلال هذه الورقة بحثنا من أجل حل متكامل للمشكلة ، وعلى مدار هذه الورقة سنطرح أبعاداً أكثر تفصيلاً لهذا الحل المقترح ، والخطوط العريضة للخطة قصيرة الأمد ، وإمكانيات منظومة الطاقات الكامنة في محيط التنمية العمرانية ، وأطرافها الفاعلة من الأرض والبشر – شعباً وحكومة –  وأدوات التنمية –  من الفأس إلى الكمبيوتر ...
وإذا كان القضاء على مفهوم المضاربة السلبية – أوعلى الأقل تحجيم مضاعفاتها – هو أحد الأهداف الرئيسية لطرح الأهمية الحتمية لشمولية المواجهة لمسألة الإسكان ، فإن الموضوع لا يقتصر على هذا الهدف ... فالقائمة طويلة والأمثلة كثيرة ... وتتضمن خلق قاعدة عريضة جداً من الالتفاف والانتماء وقومية المشروع بعرض القاعدة العريضة من شباب مصر – في طليعة كافة فئات الشعب – ، وبها يتحقق المقياس الصغير المناسب لتفتيت أزمات ومشاكل الإسكان والغذاء والصناعات الحرفية إلى الصعيد الشخصي، وكذا توزيع العائد إلى أقصى مستوى من العدالة يتحقق من خلاله رفع قاعدة الدخل على المستوى القومي بصورة متوازنة دون أي تضحيات طبقية أو نوعية ... ، ولهذه القاعدة العريضة يتم النقل الحقيقي للمساهمة في المواجهة الفعالة للأزمات والمشاكل المذكورة – في خط مواز للزراعات والصناعات كبيرة المقياس – و في مقدمة ذلك كله – وكما سنرى إن شاء الله تعالى على مدار الورقة – ما يمثله الفكر المقترح من تحول في فهمنا لطبيعة المشكلة ، من تقديم خدمة حيوية وهي الإسكان ، إلى المساهمة في تكوين بيئة صالحة لممارسة الأنشطة الحيوية والتنموية، بما يعنيه هذا المفهوم من دفع لعملية الإنتاج ، ومساهمة في رفع المستوى الاقتصادي للمجتمع بصورة متوازنة على مستوى كل الطبقات والتخصصات ... لا من حيث فتح الآفاق الرحبة لتشغيل العمالة في التنمية العمرانية بمجالاتها المتنوعة فحسب – على الرغم من الأهمية القصوى المعطاة لهذا العنصر – بل وفي صب جل اهتمام المشروع في دمج وتطوير النشاط التنموي لمراحل البناء مع مراحل الإدارة الحياتية المستمرة للمجتمع – القائم والمستحدث – على المدى البعيد والمتواصل .
(٢) المشاركة الإيجابية بنظام فائض الوقت
اشتهر مصطلح "الجهود الذاتية" في مصر بكونه المشاركة المالية في تحمل أعباء المشروعات التنموية و الخدمية في أغلب الأحيان ، وهو تعريف لا بأس به في نظر البعض إذا سلمنا بأن هذا التمويل سيمثل دور "الوسيط" – أو مصطلح ما بهذا المعنى – في ترجمة كلا من الجهود والعائد في النهاية ، ولكن الملاحظ عمليا أن شيئاً ما في عملية التمويل هذه – ربما نتوسع في دراسته –  يقصر الاستفادة من هذه الجهود التمويلية على قطاع محدود من المشروعات ، وربما كان هذا الشيء هو ببساطة قلة الإمكانيات المالية –  نفس المتهم المذكور آنفا – وربما كان غيره . سأبدأ حديثي هنا بذلك القطاع الذي يفيد فيه تعليق لافتة  "الوسطاء يمتنعون – مؤقتا" ، وأعني بذلك قطاع من لا يمتلكون حالياً التمويل الفعال الذي يمكنهم من المشاركة في عملية التنمية ، ولكن يمتلكون بكل تأكيد أدوات أخرى شديدة الفعالية .. نراها جميعاً في كل مكان .. طاقات فعالة وخلاقة .. رصيد استراتيجي من حيوية الشباب وخبرة الشيوخ .. ، أتحدث عن ملايين الشباب ممن يملكون جهد سواعدهم وعقولهم ، ويملكون عزمهم وطموحهم وآمالهم العريضة، ويملكون حسهم الوطني الذي ما خيب ظناً حسناً أبدا. أتحدث عن جيل يقف على مشارف حياته العملية ، وقد تسلح بعلم أوتسلح بحرفة  وكلاهما مستودع للطاقات وذخيرة لمعركة البناء هذه ... وهو جيل الأبناء . كما أتحدث عن جيل سبق هذا الجيل في العطاء ، واكتسب خبرات في الحياة العملية و مهارات لا تكتسب إلا في مدرسة الأيام والليالي ... وهو جيل الآباء . ثم جيل شاءت ميكانيكية المجتمع التقليدي المعاصرأن يتقاعد وهو في قمة النضج والعطاء ... وهو جيل القمم ... قمم العلم وقمم العمل ... في كل مجال يخطر ببال ... ثم أؤجل الكلام عن رصيد الإمدادات للتنمية ... جيل البراعم ... إلى حين .
في الحقيقة أرى في هذه القوى الخلاقة مجتمعة منظومة مختزنة من الطاقات – أو قل هي إن جاز لي التأمل و التعبير ككنز تحت جدار ... نسأل الله تعالى أن يخرجه لنا برحمته – أرى في كل قطاع من هذه القطاعات مكون رئيسي من آلة جبارة ، تنتظر من يجمعها على أسس صحيحة ، ويغذيها بالوقود المناسب ، لتنطلق في الإنتاج والإبداع . أما الجمع على أسس صحيحة فهو إيجاد نظام متكامل للاستفادة من جهود هذه القطاعات ، وأما الوقود المناسب فهو إمداد هذه الجهود بعنصر الأرض – وربما شيء من تمويل كما سيأتي ذكره -  وأنا لن اقصر حديثي هنا على الطاقات المعطلة بمعنى البطالة الكاملة ، ولكني سأستحدث مفهوماً لنطلق عليه "نظام فائض الوقت" ، وفي إطار هذا المفهوم فإنه يمكن لكل فرد أن يكون له فائضاً من الوقت يتراوح بين ساعات العمل الممكنة كلها – في حالة البطالة الكاملة – ، وبين أقل وحدة من ساعات العمل الممكنة – قد يمثلها جزء فقط من عطلته الأسبوعية مثلا – ، مروراً بكافة احتمالات ساعات العمل الإضافية الصباحية والمسائية على مرأيام العمل المعتادة للعاملين في كافة القطاعات ، وبما يشمل إمكانيات تخصيص نظام تبادلي للإجازات بدون مرتب مثلاً لفترات معينة للعاملين في أي من القطاعات التي تعاني من التكدس أوالبطالة المقنعة ، بما يتيح تنظيماً أكثر اتقاناً لعملية صب الجهود البشرية في إطارالمشروع المقترح، وبما يفتح الباب أمام كافة الأشكال التعاونية التنظيمية –  وللأشكال القائمة منها فعلاً كل التقدير ... والتمنيات بكل التطوير – التي تترجم في النهاية هذه الجهود في صورة فعالة ، ناهيك عن إمكانيات دخول كيانات قائمة – عامة وخاصة – في إطار هذا المشروع بتنظيماتها المقننة ، مشاركة بصورة جماعية في الإنتاج والعائد، كأن تخصص شركة أو هيئة ما قناة للمشاركة في أنشطة المشروع  ككيان واحد له تنظيمه الداخلي ، الذي يتيح الإفادة من جهود العاملين بصورة أكثر فعالية . فيما تحتم الضرورة دخول هيئات معينة في صورة مقننة مركزية لطبيعة عملها ، وأقرب أمثلتها وزارات كالدفاع والداخلية والخارجية وغيرها ، وهي مما يحتاج إلى تفصيل دقيق في موضع آخر ... ومن التنوع في ساعات العمل الفائضة المتاحة من كل مشارك في المشروع يتولد أحد عناصر التنوع المقابل في المردود السكني كما سيأتي ذكره لاحقا.
أما عن الناتج من إجمالي ساعات العمل هذه القابلة للاستغلال على مستوىالدولة فحدث ولا حرج ، فنحن نتحدث عن بضع عشرات من الملايين منالأشخاص –  يشكلون تعداد مجموعة دول من المجاورة لنا – ، ونتحدث بالتالي عن بضع من مئات الملايين من ساعات العمل "الفائضة" تتجدد مع إشراقة كل شمس ، أو قل المليارات من ساعات العمل الفائضة على أي مستوى للقياس الشهري –  ويمكن أن نتسلى بحساب القيمة المادية لهذه القوى البشرية بضربها في أي قيمة افتراضية مناسبة لعائد الإنتاج في ساعة العمل الفائض ..عجباً ..!– . تهدر هذه القيمة البشرية أو المادية في وقتنا الحاضر ، ويهدف مشروعنا المقترح إلى العزف على أوتارها – على الأقل –  بلا مس لأوتار ساعات العمل الحالية . وإذا كنا نعيش عصر المصطلح اللطيف "الخصخصة" ، فأنا أقول أن خصخصة ساعات العمل الفائضة المذكورة هي مفتاح الموقف ، فهي خصخصة لاستثمار مهدر لا يتنازعه حالياً قطاع عام أو أعمال أو خاص ... محلي أو عالمي ...، فساعات العمل هذه لن تصب سوى في إطار تحقيق العائد المباشر لصاحبها دون وسيط ، وما علينا إلا أن نرتب الأوراق لتحقيق هذا الهدف . لعلنا نوفق في تطوير مصطلح آخر أكثر لطفا وهو " نظام المشاركة بالوقت " ، ليصبح دالة للعمل والإنتاج والتنمية ومن ثم للرخاء ، بدلاً من كونه مرادفاً فقط لدفع ثمن وحدة سكنية لقضاء أسبوع وحيد للأجازة السنوية على شاطئ البحر الأحمر على مدار السنة كلها ... مع كامل احترامي واعتذارى لهذا النظام !
(٣) تكامل الأنشطة
هل تقوم تنمية المجتمعات العمرانية الجديدة على الأنشطة البنائية فقط ؟ أو بمعنى آخر هل يقتصر دور التخطيط العمراني على رسم خطة متكاملة لتنمية المجتمع العمراني الجديد على أساس مراحله البنائية – بما فيها توفير أنشطته الخدمية – بصورة تدريجية توفر الحيز العمراني لاستيعاب الأنشطة الحياتية فيه ؟؟ الإجابة من الواقع العمراني المعاصر – غالباً – ... نعم !! بل وأن سلسلة من تطورات الفكر العمراني القديم والحديث على حد سواء قد تشكلت في ظل الاعتراف بهذا الواقع ومسايرته ، فنجد أستاذ الجيل المهندس/ حسن فتحي، وقد طرق باب المشكلة المزمنة للإسكان من خلال طرح برنامج تعاوني للبناء  يقوم – بصورة رئيسية – على أساس استثمار القدرات التعاونية لمجموعات السكان ، وتطويرها في مجال الطرق المحلية للبناء ، وتعميم هذا البرنامج على المستوى القومي . وشبيه بذلك عدة مقترحات طرحت مؤخراً عن نظم تعاونية أيضاً ، تقوم بعضها على التبادل المنفعي بين أصحاب حرف البناء ، حيث يحل المجهود البنائي في كل مجال تخصصي محل المقابل المادي المطلوب للبناء المتكامل ، وينتج عنه توفير مباني متكاملة ، ثم تغطية جزء من تمويلها على صورة أنشطة حرفية ، بدلاً من التمويل السائل التقليدي . ناهيك عن شغل الساحة جزئياً بفكر التنمية الذاتية للمجتمعات العمرانية من خلال جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل ، وبالتالي تنمية الدخل وصبه في التنمية العمرانية مرة أخرى وهكذا ... وكلها اتجاهات قيمة ... ولكني أراها جديرة بالتطور في اتجاهات متعددة ... لعل من أهمها توسيع منظور هذه الأنشطة لتشمل – إلى جانب الأنشطة البنائية – الأنشطة الحياتية ذاتها . فالنظرة الحالية المذكورة تكتفي برؤية العناصر المادية الملموسة من مباني ومرافق وتجهيزات على كافة المستويات ، وتغفل إلى حد كبير الأنشطة والنظم الحياتية غير المادية – أي الممارسة ذاتها كنظام ذي جوانب بشرية ومهنية وتمويلية خارج مسألة العناصر البنائية والتجهيزية – بمستوياتها المختلفة ، إنتاجية كانت أو خدمية ، كالتعليم والصحة والثقافة وما إلى ذلك . وأنا أرى أن هذا الانفصال في النظر إلى كل من الأنشطة البنائية والحياتية هو أحد أهم الأسباب للنمو غير المتوازن للمجتمعات العمرانية الجديدة ، فعندما تسبق الأنشطة البنائية تلك الحياتية نرى مشاكل من فصيلة المعدلات المتدنية للاستيطان في مدننا الجديدة ، وعندما تسبق الأنشطة الحياتية – أو بالأحرى بعضاً منها – تلك البنائية – خاصة الخدمية والمرفقية –  نرى مشاكل من نوعية الإسكان العشوائي ... و ما محاولات تطوير كلا من النوعين من الإسكان – الجديد والعشوائي – إلا في اتجاه تحقيق التوازن المفتقد والذي لزم تصميمه ووضعه في الاعتبار منذ البداية . وتقريباً للأذهان أطرح هذا المثال للتفرقة بين الأنشطة الحياتية والبنائية ، من واقع المشاكل الدارجة في المدن الجديدة مثلاً ، فنرى أن المخطط والمنفذ قد اهتما بوضع وتصميم وبناء مستشفى لكل منطقة سكنية معينة طبقاً للمعايير التخطيطية ، بل ويتم تجهيزها بأحدث المعدات ، وكلها أنشطة بنائية –  قد تخضع لأقصى معدلات الفعالية في تخطيط توقيتات البناء من خلال نظم الكمبيوتر المتقدمة – ، ولكن توفير العمالة الطبية المتكاملة –  ولا أقول فقط الأطباء – هو الذي تأخر ، وتسبب بالتالي في تأخر الممارسة الحياتية للنواحي الصحية، رغم توفر الحيز العمراني لذلك . وتترابط أسباب هذا التأخر في ممارسة الأنشطة الحياتية ببعضها البعض في سلسلة طويلة ، فالأطباء ومعاونوهم قد يفتقدون في هذه المدن الجديدة مثلاً النظم التعليمية المناسبة لأولادهم ، والمعلمون قد يفتقدون الرعاية الصحية المناسبة ، والجميع قد يفتقد الخدمات الثقافية والترفيهية وهكذا .. – ولندع مشاكل التمويل جانبا إلى حين – ، فحسابات توفير الأنشطة الحياتية إذن هي من الضروريات لبناء مجتمع عمراني متكامل ينمو بصورة متوازنة ، وهو مجتمع لابد أن يقوم على الانتماء الحقيقي وتعميق الجذور ، وليس على ندب وزارة الصحة مثلاً لأعداد من الأطباء منبتي الصلة بالحياة اليومية الحقيقية لهذه المجتمعات ، بل لابد أن يكون هؤلاء العاملون جزءاً من النسيج الحياتي للمجتمع بكافة طبقاته وتخصصاته ...
وفي الحقيقة فأنا أتخطى مرحلة الإيمان بضرورة النمو المتوازن لنوعي النشاط المذكورين – البنائي والحياتي – ، لأصل إلى مرحلة الإيمان بإمكانية استثمار هذا النمو المتوازن لتصميم وتحقيق أهداف تنموية متقدمة ! فأنا مثلاً أطمح إلى تصميم مجتمعات عمرانية تتحقق فيها على مستوى النشاط البنائي بيئة مدروسة ومنفذة على أعلى المستويات لكل التفاصيل – ولو بصورة تدريجية – ، بداية من التخطيط والتصميم المعماري والتفاصيل التنفيذية ، ومروراً بالإشراف على التنفيذ ومراقبة الجودة، وانتهاء بالصيانة الدورية لهذه البيئة العمرانية . وتتحقق فيها بيئة إنتاجية متخصصة ، وأحد أمثلتها الاستصلاح الزراعي ، وقوامها الأرض التي يتم توفيرها ، ثم عناصر الاستصلاح من أسمدة وتقاوي ومجهود بشري وآلي ، وعلى رأس القائمة احتياجات مائية ونظم ري متقدمة – في إطار نظم فردية أو تعاونية أوحتى شركات متخصصة لإدارة هذه النوعية من الإنتاج سواء كان للاستهلاك المحلي الضيق أوالتسويق على نطاق واسع – ، أوبيئة حرفية متطورة على نفس النمط المقترح . كما تتحقق فيها على مستوى النشاط الحياتي نظم تعليمية متطورة ، تشمل محواً كاملاً لأمية السكان غير المتعلمين ، والارتفاع بمستوى كافة الملتحقين بالتعليم الثانوي في استخدام مجموعة من أساسيات وتطبيقات الكمبيوتر مثلاً ، وعلى نفس النسق برامج للرعاية والتأمين الصحي الشامل على أعلى المستويات، وخدمات أخرى في هذا الاتجاه ... فأبدأ بوضع هذه الاحتياجات المستهدفة بصورة معدلات بنائية وبشرية وزمنية في نفس الوقت ، ثم ترجمة هذه الاحتياجات إلى مراحل للنمو ، تتبلور فيها هذه المعدلات كمدخلات ضرورية لتحقيق النمو المتوازن الذي يستهدف إشباع هذه المرحلة بصورة مناسبة ... تماما كتغذية أي كائن حي وتربيته ورعايته لينشأ النشأة السليمة التي تتيح له النضوج على أسس سليمة ... ومدخلاتي الضرورية لتلبية احتياجات هذا النمو المتوازن هي نفس مكونات المجتمع بصورتيها المادية والحياتية : الإمكانيات المالية و البنائية التقليدية من ناحية والإمكانيات البشرية المؤهلة من الناحية الأخرى ، وهما في هذه المعادلة طرفين متوازنين ومتكافئين ، فاحتياج البشر إلى هذا المجتمع العمراني ( في صورته البنائية ) هو نفس احتياج المجتمع المذكور إلى البشر ليشكلا سوياً المجتمع العمراني المتكامل المستهدف ... فإذا ما اقتنعنا بهذه الصياغة للمشكلة فيسهل علينا الآن تصور الحل المطروح في مشروعنا المقترح ، حيث يعمم الاحتياج للقوى البشرية لتشمل معظم التخصصات المعروفة التي من خلالها تدار الحياة اليومية وليس فقط التخصصات البنائية التقليدية ، وحيث تشكل نظرية التبادل المنفعي – البديل الجزئي المقترح للتمويل التقليدي – اساساً صالحاً على مستوى القاعدة البشرية الواسعة بكافة تخصصاتها وليس فقط القطاع المحدود من التخصصات البنائية . وإذا كانت الصورة التي يستفاد بها من التخصصات البنائية في تنمية المجتمع العمراني هي الصورة الدارجة سهلة التصور للمشاركة من خلال البناء ببنوده المتنوعة ، والتي بانتهاء العمل فيها نحصل على المنتج النهائي واضحاً (رسومات – مباني – تشطيبات – تجهيزات ... ) ، فإن الصورة التي نحصل بها على المشاركة الفعالة من كافة القطاعات الأخرى هي صورة يتداخل فيها عنصر الزمن بصورة واضحة ، حيث أن عمل التخصصات المشاركة بالبناء يستغرق فترة معينة ، قد تقع في بداية التعمير للمنطقة السكنية ، ومستغرقاً فترة محدودة نسبياً ، فيما يتلوه عمل التخصصات الحياتية الأخرى ، والتي تستغرق أحياناً فترات أطول للحصول على نفس المكافئ المادي لهذا العمل البنائي ، مما قد يستدعي عقوداً قانونية طويلة الأجل مع هذه الفئة من المشاركين في المشروع للتمويل الجزئي لإفادتهم من المشروع بجوانبه السكنية والخدمية الأخرى . فنطرح مثالاً لطبيب يمثل المكافئ المادي الذي يقدمه للمشروع تعاقداً عن عدد معين من سنوات العمل في المستشفى المحلي –  للمنطقة التي تتبع للمشروع المقترح –متقاضياً أجراً معينا ، هو باقي طرح أجره العادل ناقصاً المكافئ المادي الذي ساهم به في المشروع والذي يحصل بمقتضاه على قطعة أرض بقدر معين من المرافق والبناء ... وهكذا ... (وإذا جاز لي التأمل والتعبير ... فربما يكون مفهوم المكافئات هذا قد اعتمده اثنان من أنبياء الله تعالى في تنمية حياة كريمة ، ونزل بهذا أحسن القصص في القرآن الكريم ... كأهم أصول هذا الفكر أياً كانت نماذج تطبيقه الدارجة، والتي تحمل البعض منها أوزار الفكر السياسي الحاكم بأبعاده الأخرى المتشعبة ... )، ومن التنوع في تقدير قيم المكافئات المالية يتولد أحد عناصر التنوع المقابل في المردود السكني ... وهو ما يتم بحثه بصورة أكثر تفصيلاً لاحقاً...
(٤) المقياس المناسب (الدمج الوظيفي للفراغات(

لعل البعض من القراء لا زال يتسلى بحساب القيمة المادية للقوى البشرية التي أشرت إليها آنفاً في إطار مفهوم فائض الوقت ! ... مهلاً فإن للحساب بقية !!
إن عنصرنا الأول سالف الذكر وهو القوى البشرية له العديد من المسميات حسب وجهة نظر المتحدث ، فيطلق عليه أحيانا – من قبيل الضجر – التكدس السكاني، وهو يتشابه في هذه الظاهرة – أي تعدد المسميات – مع العنصر الثاني المقصود الآن بهذا الحديث ، ألا وهو عنصر الأرض ، أو قل – إن شئت الشكوى – الصحراء عديمة المرافق التي تشكل حوالي ٩٥٪ من مساحة مصر !! .. ويمثل العنصران معا ً: التكدس السكاني و الصحراء العظمى عديمة المرافق أهم ملامح واقعنا العمراني المعاصر ... وما دمنا بصدد الحديث عن الكنوز المخفية والمدخرة لشعب مصر فلنخرج – بعون الله تعالى – ثاني عناصر الكنز في صورة ملائمة لطموح هذا المشروع في تنمية بيئة عمرانية منتجة وفعالة ولنطلق طاقات الشباب "مارد العصر الحديث" من " قمقم " وحدات الـ ٦٥ متراً مربعاً التي طال حبسهم فيها ، منذ انقلبت مفاهيم الناس من تصور الإسكان كمحتوى فراغى لأنشطتهم الحيوية التي تنمو وتفيض خيراً، ليصبح – ويا للأسف – سترا للعورات ولو جاورالقبور ... وياليته ستر ... ! ... بل وقل منذ انقلبت مفاهيم التنظيم المجتمعي ، لتصبح الإدارة المجتمعية دالة لحصار الأنشطة البشرية الحيوية والمنتجة بديلاً عن تنظيمها !!
وقد عهدنا دوماً مشروعات الإسكان –  بل والإسكان العشوائي نفسه – وهي تقدم لنا أنماطاً من الإسكان الاقتصادي والمتوسط يتراوح بين الـ ٦٥ متراً مربعاً وبين ضعف هذه المساحة ، شققا سكنية في عمارات متعددة الأدوار، مكتملة التشطيب والمرافق ، تتيح للإنسان النوم والأكل والمعيشة اليومية بشكل أو بآخر، وتعتمد هذه الوحدات السكنية في مجموعها على شبكات للمياه والصرف الصحي والكهرباء – تكافح الحكومة لتوفيرها – . كما عهدنا مشروعات الإصلاح الزراعي والإنتاج الحيواني تقدم لنا المشروعات كبيرة المقياس من عدة آلاف من الأفدنة ، تقسم بواقع خمسة أفدنة للفرد ، ليبدأ منها رحلة الكفاح ، ضد عوامل التعرية والري والأمن و غيرها . وعهدنا أيضاً مشروعات التنمية الحرفية وهي تعمل على تقديم العون التدريبي أحياناً والتمويلي أحياناً أخرى ، وتفتقد في الغالب الحيز المكاني الملائم – وراجع إن شئت تجربة الصندوق الاجتماعي – ... وتستهلك هذه المشروعات الغالبية العظمى من ميزانية الدولة المخصصة لهذه الأغراض فيما تتراوح نسبة الشريحة السكانية المستهدفة فيها بين نسب غير مؤثرة لا تتجاوز أحياناً الخمسة بالمائة من أعداد السكان .. !
وقد جربنا كل هذه الأنماط من المشروعات ، وقتلناها تجربة وبحثاً وتقييماً !! وأنا أدعوالآن إلى تغيير منطقي – على الأقل يتفق مع منطق هذا الفكر منذ البداية ! – ، وهو تغيير ينصب بداية على المقياس المقترن بفك ازدواجية أهداف المشروع المقترح – أو تعدديتها علىأية حال ! – .. فبنظرية التخطيط بالأهداف سنرى أنه على المستوى الفردي للإفادة بالمشروع المقترح –  من حيث أنه إطار للتنمية العمرانية المتكاملة وليس الإسكان – فنحن نحتاج لأن نوفر وحدة تنموية تعج بأنشطة الأسرة الحياتية : السكن الصحي – الإنتاج الزراعي – أنشطة التربية الحيوانية المنزلية الصحية – الإنتاج الحرفي والصناعي الصغير المقياس الآمن من الناحية البيئية – الأنشطة غير التقليدية كالإنتاج الفني المناسب ... الخ ... وأما من حيث المقياس فإن التوسع في مقياس المساحة المعطاة لتحتوي أنشطة أخرى إلى جانب السكن سيتيح سكناً صحياً بصورة أفضل ، ويتلاقى مع فكرة ممارسة الأنشطة المنتجة – ولنبدأ بالنشاط الزراعي بمفهوم متطورعلى سبيل المثال – من ناحية أخرى ... ولنضغط مقياس هذه الأنشطة هذه المرة ، لنتحدث عن الحد الأدنى من مساحة الأرض التي يمكن استصلاحها مثلاً في حيز سكني عمراني بصورة منتجة يمكن أن يشملها أياً من النشاط الفردي أو إحدى صور التعاونيات المنظمة ، ولنفترض مبدئياً – إلى أن يثبت بالدراسة غير ذلك – أن مساحة ألف متر مربع – حوالي ٦ قراريط – هي المساحة التي لو أحسن تنميتها زراعياً بصورة رأسية – أقصد مكثفة الرعاية والإنتاج – يمكن أن تمثل الحد الأدنى – لاحظ .. الأدنى – المستهدف في مشروعنا ليختص بها كل مشارك في المشروع ، ولنقل إنه بالإمكان مضاعفة هذه المساحة المنتجة بحيث يخص كل مشارك في المشروع مساحة ألف متر مربع أخرى ، ولكنها هذه المرة ليست ملكية خاصة ، ولكن لنقل شبه خاصة ، حيث يتم تنميتها بصورة جماعية بأشكال من الإدارة المجتمعية التي يمكن مناقشتها لاحقاً، وحيث تمثل هذه المساحة الإضافية النصيب المخصص للمساحات المفتوحة العامة بأنشطتها المتنوعة في إطار التخطيط العمراني للمجتمع الجديد ... !!!
إن الفكرة الرئيسية التي أطرحها لدمج المساحات السكنية بالمساحات الزراعية – المستصلحة – أو المناطق الإنتاجية والصناعية الآمنة بيئياً – الدمج الوظيفي للفراغات – تعني أن الحديث عن المعدلات والمعايير التخطيطية الدارجة قد أصبح غير ذي بال !! .. فالأرقام المطروحة هنا قد تمثل طموحات غيرمألوفة للفكر التخطيطي التقليدي، ولكني أظنها منطقية في ضوء تقييم تجارب عشرات السنين ، التي تزخر بالشكوى من ضيق المساحة للوحدة السكنية لملايين الناس من ناحية ، ومن عدم التآلف بين إمكانيات شباب الاستصلاح الكادح – وغير المتخصص أحيانا – وبين تكلفة – أو مقياس – أنظمة الزراعة والري في نطاق مساحاتهم المزروعة من ناحية أخرى ، ومن عدم فعالية قروض الصندوق الاجتماعي لاشتراطات توفير المكان المناسب لممارسة النشاط الحرفي من ناحية ثالثة ، ومن افتقاد الملاعب الرياضية والمساحات الخضراء والحدائق العامة والأماكن الترفيهية من ناحية رابعة ، و ... غيرها مما تعودنا سماعه حتى فقد معناه أوقارب ذلك !!!
ولا تقتصر محددات هذا الفكرعلى المشاكل العامة – كبيرة المقياس – المذكورة ، بل يتخطاها إلى بعض التفاصيل : ففكرة التدرج في بناء المسكن مع النمو المتدرج لإمكانيات واحتياجات صاحبها مثلاً – وهو من أركان المشروع المقترحة لاحقاً – تتناسب مع تخصيص المساحة المذكورة ، بما يتيح النمو المتدرج للوحدة السكنية التي تحيطها – فتحميها وتتكامل معها – هذه المساحة ، وتسمح بالتالي باستقلالية في النمو بلا تفاعل سلبي مع المحيط السكني للآخرين – ، وهو ما يفتقد عند الحديث عن نمو متدرج لوحدة سكنية في عمارة متعددة الأدوار ... والتي طبقتها إحدى التجارب الإسكانية المفيدة ... فتعارضت توقيتات استكمال البناء والتشطيبات وكانت مصدر شكوى للسكان – ، كما تتيح المساحة المذكورة بدائلاً واقعية مرحلية لمشكلة الصرف الصحي مثلاً من خلال نظم للبيارات المنفصلة التي انتشرت قديما وتتناسب مع مثل هذا النوع من المساكن المستقلة محدودة الارتفاع - طبقاً للكثافة المستهدفة – بل ولعل من أهم ما تتيحه هذه المساحة المقترحة إمكانيات الامتداد الأفقي للمسكن ، بما يتفق والطبيعة الزلزالية للمساحات المعمورة التي نشطت مؤخراً ، والتي نتناولها في عجالة هنا ، ثم التناسب أيضاً مع إمكانيات استخدام طاقة نظيفة كالطاقة الشمسية ، سواء في الاستخدامات المنزلية أوالإنتاجية ... وهكذا ...
إن الصورة النهائية – الطموحة – لهذه المجتمعات قد تقارب صورة الضواحي الراقية في الغرب ، حيث الحدائق تحيط بالمساكن المستقلة ، مع تعديلات محورية في النظم المجتمعية  حيث الطبيعة الوظيفية الإنتاجية لمجتمعنا المقترح هو سمة رئيسية لا تنفصل عن مظهره، ويشكلان معاً الروح المستهدفة للمجتمع الإنساني نفسه .. وهو مجتمع تتراوح الوحدة البشرية المقترحة للمشاركة في تنميته بين الفرد الشاب ، والأسرة الصغيرة الناشئة (الزواج الحديث) ، والأسرة الصغيرة الناضجة ، والأسرة الممتدة (الأصول والفروع) ، وقطاعات الخبرة والوفاء لأجيال الآباء ، بل والمستثمرين الممولين من كل نوع كما سيأتي ذكره ... وتنتظم الإدارة العمرانية له بمقاييسها المتدرجة ، من إدارات مركزية أوتعاونية ، يندرج من خلالها تصنيفات المشاركين في المشروع على أسس جغرافية أو مهنية أو نوعية بكافة ما يحمله المصطلح من معاني ...
ولمن يسعون لحساب قيمة الكنزهذه المرة ، أرانا نتحدث – من خلال المعدلات المقترحة والشريحة السكانية المستهدفة في المرحلة الأولى من المشروع المقترح بمفهومه للتخطيط العمراني المستقبلي الشامل – عن مضاعفة المساحة المعمورة الزراعية والإنتاجية والعمرانية من أرض مصر – والتي نمت على مدى آلاف السنين – ، في إطار خطة واحدة قصيرة الأمد للجيل الحالي من شباب مصر
وما زال للتنوع في خصائص سكاننا المستهدفين تنوعاً مقابلاً في المردود السكني ، وأملاً بلا حدود في التنمية المتواصلة على أرض مصر ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق