مجلة الاهرام الاقتصادى ، القاهرة ، العدد –٥ –١٤١٣ فبراير ١٩٩٦
أخيراً ... وعندما صرح بذلك رئيس الدولة شخصياً – بدأت النظرة التي يرى بها البعض الإسكان النمطي تتغير ، فاكتسبت هذه النظرة أبعاداً معنوية جديدة ، وإن أثرت هذه الأبعاد بصورة غيرمباشرة على عناصر مادية أيضاً، وبدأ الحديث يتناثر عن رتابة وكآبة التصميم المعماري لمشروعات الإسكان النمطية – التي تتشابه تصميمات وواجهات وتشطيبات العمارات السكنية فيها – ، وهو حديث قديم في أوساط المعماريين والمتخصصين ، وإن خفت موازينه مقابل قوى القرار السياسي على مدى عقود مضت ، والتى تسلحت بدورها بمنطق الجدوى الاقتصادية أحياناً والعدالة الاجتماعية أحياناً أخرى ... والنتيجة المنطقية كانت فيضاً من التعديلات المتنوعة التي يدخلها السكان على مساكنهم مع تنوع إمكانياتهم واحتياجاتهم، ولكنها للأسف – في أحيان كثيرة – كانت غرساً باهظ التكاليف على الناس في تربة غير صالحة ، فلم تصمم هذه المباني السكنية أصلاً لتستوعب تعديلات أوإضافات، لا إنشائياً ولا جمالياً في أغلب الأحوال ، ناهيك عن عدم استطلاع اتجاهات التعديل المطلوبة من قبل ووضع الخطوط العريضة للتنوع في هذه الاتجاهات موضع الاعتبار
...
...في مشروعنا المقترح ، لا أظن أنني في احتياج إلى طول شرح عن أهمية التقييم المسبق للتنوع في إمكانيات واحتياجات المشاركين في المشروع، فقد آثرنا مجموعة من اتجاهات التنوع على مدى استعراضنا للنقاط السابقة . فالتنوع يصب في ثلاثة قنوات رئيسية هي مرادفات عناصر المشروع : الأرض – البشر – الإمكانيات التمويلية المساعدة ، والتنوع في عنصرالأرض يشمل مواقع البناء بتدرج في مستويات هذا التنوع ، من موقع المنطقة ككل وعلاقتها بالعمران القائم إلى خصا ئصها الطبيعية وامتيازاتها الاستثمارية وهكذا ، كما يشمل هذا التنوع خصائص البناء ذاته من مواصفات المساحة المسموحة والارتفاعات وما إلى ذلك، ويشمل أيضاً عنصر توقيتات البناء فبالرغم من استهداف الإنجاز الفوري للمرحلة الأولى من المشروع إلا أن توقيتات إتمام البناء على مدى عدة سنوات – قليلة ! – في إطار مبدأ شمولية الحل لا يزال يسمح بإدراج عنصرالتوقيت المتوقع للبناء من ضمن عناصر التنوع المطلوب إدراجها ضمن اهتماماتنا المذكورة ، فالتجانس في توقيتات البناء و مدى سرعتها هو أحد مقاييس هذا التنوع . أما عن التنوع الذي يعنينا في العنصر البشري فهو قائم على العلاقة بين هذا العنصر البشري وبين نمو المشروع ، وذلك في إطار مقصود من تنشيط التفاعل بين البشر والتنمية ، وأهم أركان التنوع في هذا العنصر البشري كما أوردناها : التخصصات العملية ، المشاركة والخبرات السابقة ،المهارات المكتسبة والوقت المعطى . وذلك كله في إطار من مفهوم المشاركة الإيجابية بنظام فائض الوقت تحت مظلة تكامل الأنشطة المشار إليها . وثالث عناصر التنوع وهو الإمكانيات التمويلية المساعدة ونقصد به توسيع إطار التمويل التقليدي السائل – بدرجاته من التسهيلات – ، ليشمل إلى جانب ذلك المقومات المادية الممكن إحلالها محل هذا التمويل التقليدي، ويشمل ذلك – بطريقة مشابهة لنظام استبدالنا القوى البشرية بالتمويل – المعدات والأجهزة والتسهيلات التي يمكن أن تضيف إلى المشروع ويسهل معادلتها بحجم مماثل من التمويل . ويمكننا أن نتوسع أكثر في هذا المفهوم للإمكانيات التمويلية من خلال دمج نظام التمويل المشار إليه للمجتمعات الجديدة بنظم تطوير المجتمعات القائمة – مما سيأتي ذكره تفصيلاً لاحقاً للأهمية – ... والأمثلة كثيرة لشرح عناصر التنوع المعنية على مستوى المنظومة الثلاثية المذكورة ...
هذا عن التنوع ... أما عن نظم تقييمه فالمقصود هو رسم خريطة فعلية أومجازية – بمساعدة نظم المعلومات والنظم الجغرافية الحديثة باستخدام الكمبيوتر – من عدة طبقات ، تحمل كل طبقة منها أحد مقومات التقييم لكل من عناصر المنظومة الثلاثية المذكورة . فحصيلة توقيع القيمة التقديرية لبند الموقع العام للمنطقة في أولى الطبقات – القرب من العمران القائم أو المنطقة التجارية المقترحة مثلاً – ، ويليها في الطبقة التالية الموقع المميز للقطعة المحددة – ناصية أو شارع رئيسي مثلا – ، ويليها الخصائص الطبيعية – التوجيه المناخي للقطعة على البحري مثلاً – ، وهكذا ... تؤدي جميعها إلى رسم صورة أكثر وضوحاً وعدالة للقيمة التقديرية لكل قطعة أرض في المشروع المقترح ، وذلك في إطار مقارن بباقي القطع .. وبالمثل يمكن تقييم كلا من المساهمة البشرية المتخصصة والإمكانيات التمويلية المساعدة بنظام الطبقات المشار إليه لكل من عناصر التنوع المذكورة آنفا ... والحصيلة الإجمالية هي تقدير أكثر اقتراباً للواقع والعدالة المستهدفة لكلا من المشاركين في المشروع –بتخصصاتهم وإمكانياتهم – والأراضي التي سيحصلون عليها ....
هذا عن العدالة ... أما عن التحفيز الإيجابي – كجزء من العدالة المستهدفة – فالمقصود هو وزن الأمور بمنطق إيجابي يدفع عجلة الإنتاج وينشط التفاعل المستهدف بين البشر والإمكانيات والأرض ، فالتوازن المستهدف بين العناصر المذكورة لابد أن يضم في طياته حوافز التنمية كسرعة البناء والإنتاج وكجذب التخصصات النادرة المطلوبة وتنشيط التخصيص في هذه الاتجاهات وغير ذلك من مقومات إيجابية للمشروع ...
العمران القائم : بين التورط العقاري والهرولة العقارية وتكامل خطط الارتقاء
ترى هل هناك من لا زال مستمراً في قراءة هذه الورقة من قطاع المضاربين على العقارات الذين عنتهم أولى النقاط المطروحة بخصوص شمولية الحل الذي يساهم في القضاء على المضاربة السلبية التي تروح ضحيتها آمال أجيال من شباب مصر !! .. أرجو ذلك .. وإليهم – خصوصا– أتوجه بهذا الاجتهاد لاستكمال الصورة الشاملة المستهدفة لحل مشكلة الإسكان القائم والمستجد .. وأسألهم الصبر حتى نهاية الورقة ..
تنقسم المشكلة إلى قسمين رئيسيين: أولهما ما يخص أولئك الذين تورطوا في استثمار أموالهم في التنمية العقارية على مدى عقود من القرن العشرين تنتهي بصدور القوانين المقيدة للعائد الإيجاري وخاصة في الستينيات ، وهم – كما هو معروف – ملاك لعقارات لا يغطي عائدها الحالي تكاليف صيانتها ناهيك عن تحقيق هامش ربح لا يذكر، وقد كان هؤلاء الملاك العقاريين يتصورون أنهم باستثمارهم العقاري هذا قد وفروا رقيا بالمستوى المادي لأسرهم وتحصينا من تقلبات الزمان ، ولكن تأتي الريح بما لا تشتهي السفن ، فقد اندمجت هذه الطبقة من الملاك بصورة كبيرة مع طبقة المستأجرين المفترض أنهم أقل دخلاً – بدلالة عجزهم عن البناء لأنفسهم في ذلك الوقت – ، وشكلت الطبقتان سوياً طبقة واحدة متجانسة تعاني من نفس المشاكل المعيشية ، ويتفاوت توصيفها بين متوسطي ومحدودي الدخل حسب أصولها الرأسمالية الأخرى وعوائدها الاستثمارية ... وقد ارتأت الحكومة ومعها فريق من المنظرين وأصحاب المصالح المباشرة من طبقة المستأجرين أنه من العدالة أن تبقى الأوضاع على ما هو عليه !! وصارت المشكلة من المشاكل المزمنة المستعصية على العلاج لضررها الفادح على الطرفين وصعوبة زحزحة الموقف بصورة تقليدية دون حدوث خسائر اجتماعية فادحة ... !! وأنا أرى أن هناك فرصة سانحة من خلال المشروع المقترح ليس لإعادة الحقوق لأصحابها – من الطرفين – فحسب .. ولكن- وهذا منطق الفكر الذي يبلوره

المشروع المقترح منذ البداية – لاستثمار الطاقات الكامنة لدى كلا الطرفين – بشرية ومادية – في اتجاه إيجابي ... فيقترح طبقاً لهذا أن تتاح الفرصة لهذه الفئة من الشعب لاستبدال أوضاعهم الحالية – مصدر الشكوى – مع الحكومة من خلال نظام توزيع الأراضي المقترح ، والمقصود أن يتم – طبقاً لقواعد واقعية .. بل وتحفيزية في نفس الوقت – تقييم الوضع الإيجاري أو الملكية الخاصة بالعقارات القديمة المذكورة ، وتقدير المقابل المناسب ، الذي يتم إدراجه بالتالي في الخريطة العمرانية الجديدة المقترحة على شكل مساحات من الأراضي يتوفر لها قدراً من المرافق وربما البناء – خصوصاً إذا ما صاحب هذا الاستبدال أياً من صور المشاركة البشرية و المادية المصنفة في مشروعنا المقترح – ، وذلك بما يتفق مع القيمة التقديرية – العادلة – لعقارهم السابق الذي يؤول إلى الحكومة في هذه الحالة – ، ولعل المنطق يقول أيضاً بأن الوحدة القابلة للتداول في هذه الحالة بين الحكومة والشعب تكون العقار الأصلي كاملاً ، ويمثله اتحاد يمثل كل من الملاك والمستأجرين – . فإذا ما طرح هذا الاختيار أمام المجتمع ، فقد حققنا بديلاً تعويضياً مناسباً للناس من جهة ، و تفريغاً اختيارياً للعمران القائم من جهة أخرى ، والذي ينتقل بدوره إلى الحكومة تتصرف فيه كيفما تشاء ... تدعم به خدماتها أو تزيل ما تراه واجب الإزالة ، وتطور بالتالي وجه هذا العمران بعد ضبط كثافته ... تتيح من خلاله مشروعاً حقيقياً للتطويرالعمراني بكافة معانيه ، مما يصلح أن نناقشه تفصيلياً لاحقاً ... ولشرح أحد جوانب فكرة التحفيزالإيجابي في هذا المجال نضرب مثلاً واقعياً بالفكر التقليدي المطروح في تحسين بيئة عمرانية تقع في مناطق أثرية لا تقدر محتوياتها الأثرية بثمن لما تمثله من تراث للبشرية كلها – كالقاهرة الفاطمية ، منطقة الأهرامات ، الأقصر ، ... – ... فنرى احتمالات كثيرة : الحكومة التي تجبر الناس على التهجير الجماعي وإخلاء الإسكان العشوائي – من أي وجهة نظر – القائم ... أراها حكومة واهمة وقصيرة النظر ولن تعيش خططها طويلاً ، .. الحكومة التي تستغرق الوقت كله في الدراسة للمشروع ورفع الشعارات من غير تقدم فعلي يذكر ... أراها حكومة تعيش بنظرية الاعتماد على موت جحا أودابته ، .. الحكومة التي تعطي للسكان مقابلاً عادلا من أراضي أوتعويضات أومباني ... أراها حكومة عادلة وذكية ... وهي المقصودة بالتحفيز الإيجابي المستهدف ... فأنا أتساءل بصدق ... لم لا تتوفر لهؤلاء الناس بدائل سكنية – من خلال نظام الأراضي و المباني المقترح – أرقى بكثير مما سيعطونه ، وأيضاً محوراً للاستثمار المتبادل لعرض نشاطهم الحرفي في مناطقهم الأصلية بل وسهما في شركة على مستوى عالمي لإدارة النشاط السياحي الثقافي والتاريخي الذي يحل محل إسكانهم القديم والمتوارث في هذه المناطق ... !! .. أراه استثماراً رابحاً لكل الأطراف ... وإذا ما وجد هذا الفكر لحل المشاكل المزمنة للقطاعات الضخمة من المجتمع – كملاك ومستأجري الإسكان القديم – بعضاً من آذان صاغية فسيشجعني ذلك على طرح أفكار مماثلة في هذا الاتجاه لحل مشاكل مشابهة مزمنة ، كتعويض مساهمي شركات توظيف الأموال من خلال إعطائهم مزايا نسبية تكافئ حجم إيداعاتهم وأرباحها – بل وتعويضاً عن حرق أعصابهم – من خلال نظام توزيع الأراضي المقترح المقترن بتشجيع مساهمتهم البشرية والمادية .. ، كذا البنوك الخاسرة ، أو قضايا تعويض الحراسات القديمة ،أوالأوقاف – ذات حالات الإيجار أو وضع اليد على هذه الأراضي- أو أيا من المشاكل التي نرى فيها تنازعاً بين مستحقين مختلفين ولكل وجهة نظر جديرة بالاحترام ... وحيث تؤول الأصول الخاصة بهذه المشاكل إلى الحكومة بمقابل مغر من الأراضي الموزعة بالنظام المقترح بدلاً من معارض الرد العيني مثلاً – ولو بصورة جزئية اختيارية – ...
نرجوها عدالة – لهذا العصر – مفتوحة العينين ومتفتحة العقل ومتوثبة الحواس ومتطلعة للأفضل ... نرجوها عدالة طموحة ... لا تكتفي بقسمة الغرماء ... – ورجالها بإذن الله تعالى أهل لذلك كله ... – ... وإلى تفاصيل الاقتراح في موضع آخر ... !!
هذا عن التورط العقاري بأشكاله المتنوعة ... فماذا عن الهرولة العقارية ؟؟
بداية فالهرولة العقارية هي مصطلح مجلة "الأهرام الاقتصادي" ، وتطلق على ظاهرة التوجه الرهيب لاستثمارات البنوك وأقطاب الصناعة والتجارة والمال إلى الاستثمار العقاري مما يخشى معه أن ينقلب هذا الاستثمار بدوره إلى توريط عقاري بشكل أو بآخر ... !! ... وأظن قطاعاً ملموساً من المهرولين ينتمي بشكل أو بآخر إلى المضاربين السلبيين المذكورين في صدر الورقة ثم صدر هذه الجزئية بالذات . وأنا لا أستطيع القول بأن هذه الشريحة قد انفصلت بتوجهاتها عن الوضع العام للدولة ، فهي شريحة تعمل في ظل نظام رسمي ومجتمعي يدفع بالاستثمارات في هذا الاتجاه ، تحت مظلة تشريعية وفرتها الدولة ، من خلال ثغرات قوانينها أحياناً ، أوتشريعاتها المقننة " لحرية عدم التنمية " أحياناً أخرى ... والتحول في توجهات هذا القطاع لن يتم بالموعظة الأخلاقية وحدها عن واجبات المستثمر الغنى تجاه جيرانه من محدودي الدخل ، ولا بإشهار سيف التخويف أيضاً ، بل إن الواقع يقول بأن التوجهات الرسمية للدولة – بقوانينها وتشريعاتها وحركة استثماراتها وأولويات التنمية لديها – هي القائد والمحرك في طليعة حركة رأس المال الخاص ... والمطلوب هو رسم إطار يسمح بأقصى استثمار لهذه الهرولة العقارية وملياراتها المنفقة في تكامل مع باقي قطاعات التنمية والإسكان لمحدودي ومتوسطي الدخل موضع الاهتمام الأول في هذا المشروع من ناحية ومع قطاعات التنمية النوعية الأخرى كالسياحة التاريخية وجذب رؤوس الأموال العالمية وما إلى ذلك من توجهات رسمية على مستوى الدولة من ناحية أخرى ... فأما عن التكامل مع التنمية العمرانية لمحدودي ومتوسطي الدخل فقد أشرنا من قبل في عجالة إلى الاحتياج المتبادل لكل من قطاعات التنمية العمرانية لباقي القطاعات ليتحقق التوازن المنشود في الجانب الحياتي من نمو المجتمع مع جانبه البنائي ، وهو ما لا يتحقق في ظل تركيز الهرولة العقارية على بناء – وليس تنمية – جزرعقارية كاملة ومتميزة في وسط محيط واسع من النمو البطيء لأي من شقي العمران الحقيقي – الجانب البنائي والجانب الحياتي – ... فربما كان وضع هذه الجزر العقارية في موضعها الصحيح على الخريطة المقترحة للنمو العمراني بنظام المشاركة الشاملة المذكورة في هذه الورقة هو أحد أهم عوامل المحافظة على القيمة المعطاة لهذه الاستثمارات ... وأما عن التكامل مع سياسات الدولة للتنمية فإن فتح آفاق استثمار هذه المجتمعات المتميزة على نطاق إقليمي ( عربي على وجه الخصوص ) أوعالمي من خلال طرح خطط تنمية سياحية متخصصة – مثلاً – تخدم هذه الاستثمارات العمرانية المتميزة بمواقعها القائمة فتحقق تكاملاً منشوداً وتبادلاً نفعياً بين خطط الدول للتنمية وبين خطط المستثمرين الخاصة ... والموضوع رغم التصاقه بأسماء استثمارية رأسمالية لامعة كما تشير المجلة في تحقيقها إنما يتعلق أيضاً وعلى نطاق واسع بادخارات هائلة لصغارومتوسطي المودعين في بعض البنوك التي يبدو أنها باتت تحمل توجهات مشابهة ... !! ... وهي في النهاية فرصة لكل الأطراف لوأحسن استغلالها في الوقت المناسب – وأظنه قد حان - و قبل أن ندخل في متاهات المضاربة السلبية في مراحلها المتأخرة ، والتي عادة ما تحمل أنباء غير سارة عند أي هزات في السوق – وكما أشارت بحق الكثير من الأقلام في هذا السياق – ... والاحتمالات الممكنة لتحقيق التكامل المستهدف المذكور آنفاً بين كل من خطط الدولة وكبار المستثمرين وصغار المكافحين كثيرة ومتنوعة مما لا يتسع المجال لذكره في هذا العرض الموجز للخطوط العريضة ...
السؤال الشهير ... وألف إجابة ... والإجابة البسيطة : من حيث نقف !! .. ولارجوع إلى الوراء ... فتجاهل الإمكانيات التي تتيحها النظم المجتمعية القائمة هو ترف لا تتحمله بلادنا النامية ، والجهل بها غفلة نترفع عنها . ومثلما ينطبق هذا الحديث بوضوح على الإمكانيات المادية والملموسة وأيمن ملامح البنية الأساسية اللازمة للتطور العمراني فهو ينطبق بنفس الدرجة على الكيانات التنظيمية القائمة ... الرسمية منها – إن ارتأت ذلك قوى اتخاذ القرار – ... وغير الرسمية كالجمعيات والمؤسسات التي تحظى بالفعل بجذور تنظيمية وخبرات عملية مشهودة ، وأولها تلك التي تحظى بميزة التمثيل الشعبي والحضور الرسمي ، كالمجالس المحلية ومستويات الإدارة المحلية المختلفة ... بل ومجالس الأمناء والمستثمرين بالمدن الجديدة . كما ينطبق – وربما بدرجة أكبر – على المشروعات الطموحة القائمة ، بمقياس المجتمعات العمرانية الجديدة ... الصناعية منها والسكنية وبشكل عمراني أوتنموي كمشروع كول – مبارك أو مشروعات الصندوق الاجتماعي ... وغيرها الكثير ...وسيستدعي الأمر بلا شك كياناً مركزياً – بشكل ما – ، يربط بين الأطراف المشاركة ، ويوفر الدعم الفني المتخصص بكافة فروعه . ولكن كوادر هذا الكيان جاهزة من خلال المؤسسات المعنية بكافة أشكالها – أو هكذا نرجو ! – ... هذا على الصعيد التنظيمي ...
أما عن التقدم إلى الأمام – وقد اتفقنا عليه سبيلاً – فهو بسرعة وتدرج ... فلا معنى لطرح التناقض بينهما ... ، ... أما السرعة فربما نطمح إلى خطة خمسية واحدة تحل من خلالها المشكلة الرئيسية الحالية لكافة أجيال الشباب في سن الزواج ، وكذا القطاع الملح من مشاكل الإسكان القائم ، مع تدرج في خطط خمسية أخرى لاستيعاب وتوجيه الزيادة السكانية المتوقعة بشكل مخطط منذ البداية مما يحقق تواصلاً متجانساً بين الأجيال . وذخيرتنا في تحقيق المعادلة الصحيحة هو جيل البراعم من الشباب ، ممن تؤهلهم قدراتهم السنية على العطاء من خلال إمكانيات يمكن الارتقاء بها وتوجيهها ، مع احتياجات مؤجلة تتناسب مع الشرائح السنية الصغيرة التي ينتمون إليها ، والتي يخطط لتتناسب استفادتهم من المشروع في التوقيت المناسب، مع تدرج هذه الاستفادة مع حجم عطائهم السابق له ... ، ... وأما التدرج فهو أسلوب لتوفير الخدمات والمرافق بصورة متعددة المراحل ، ذات حد أدنى يفي بالاحتياجات الرئيسية للسكان من ناحية ، ويسمح بالتطوير المخطط مسبقاً مع توافرالإمكانيات لذلك ، وهو أسلوب مجرب عالمياً ومحلياً لتخفيف العبء عن موارد ذوي الإمكانيات المحدودة نسبياً مع إتاحة الفرصة للارتقاء العمراني مع الوقت ... ومثاله درجات تمهيد الطرق مع التخطيط المسبق لاتساعها وانتظامها بما يسمح بإدخال المرافق إليها ، والتدرج في توفير خدمة الصرف الصحي ببدائل مرحلية فعالة كالبيارات الصحية كما أشرنا من قبل ... وهكذا ... وتشكل هذه العناصر المتنوعة من التدرج ابتداء من الحد الأدنى وحتى أقصى درجات الارتقاء العمراني الاحتمالات المقابلة من التنوع والتقييم المادي للمقابل السكني (الأرض والمرافق و البناء المتاح) المشار إليه في موضعه.
وتبقى مسألة تحتاج إلى فصل بين المفاهيم ، ألحظ فيها خلطاً بين علوم الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والإدارة وغيرها ... وهي مسألة مواقع التنمية العمرانية ومعدلاتها ... فالملاحظ للتطورات العمرانية الطبيعية – والتي اتخذت في غالبيتها طابعاً عشوائياً – التصاقها الشديد بالعمران القائم ، كوضع الجنين الذي يتغذى من خلال أمه ، ورويداً رويداً تبدأ المراحل المتدرجة لاستقلالية الوليد عن غذاء أمه المباشر ، حتى يفطم ويستقل بإمدادات غذائه ثم يشب ويتحول بالتربية والتعليم كائنا نافعاً لأمه وللمجتمع .. وفي مصر رأينا تجارب عمرانية متنوعة صب البعض منها في جزر مستقلة عن العمران القائم ، تحت شعار الخروج من الوادي الضيق وخلخلة التكدس السكاني ... والسؤال الذي يطرح نفسه : أهو خروج البناء أم خروج البشر أو خروج الأنظمة الحياتية التي أشرنا إليها من قبل ؟؟ .... ورأينا في الوقت نفسه شعارات تحذيرية من التوسع في أحجام المدن الكبيرة وخاصة العاصمة .... و السؤال ذاته يتكرر .. أي توسع هو المقصود : أهي المساحة الإجمالية أم البناء أو البشر أم التنظيمات والكيانات وباقي الأنظمة الحياتية ؟؟ ربما جاز لنا أن نتصور مصنعاً أو حتى مبني سكنياً – جمادا – يبني في قلب الصحراء منقطع ا لصلة ببؤرة حياتية لصيقة ، ولكني لم أر حتى الآن فرعا جافا بغير حياة ينتهي بثمرة يانعة أو حتى ورقة خضراء.
إن أحد أهم الدروس المستفادة من تجارب المدن الجديدة ربما يكون درسا في ممارسة شيئ من مضاربة الجزئية الإيجابية علي البناء لصالح المجموع !! فقد رأينا المدن الجديدة تبعد عشرات الكيلومترات عن العمران القائم في العاصمة وغيرها ، وكلما مر الوقت أثمرارتفاعاً نسبياً في حركة الحياة علي محاور الاتصال بين هذه المدن الجديدة وبين المدينة الأم ، واستغل البعض هذه الظاهرة كالمعتاد قانوناً أو بغير قانون لكي ترتفع قيمة هذه الأراضي وتتاح المضاربة عليها – وبفكرة شبيهة بذلك يمكن لمشروعنا المقترح أن يضع في الاعتبار أحزمة من الأراضي التي تصل – ولاحظ مصطلح" تصل" هذا – العمران المستهدف بالعمران القائم وتطرح حسب الخطط المرحلية المرسومة لتمثل أعلي قيمة للأراضي التي تعرض للاستثمار، وتصب حصيلتها في ميزانية التنمية العمرانية الشاملة لهذه المجتمعات العمرانية الجديدة ، وفي اعتبارنا هنا نقطتان هامتان .. أولهما : المقياس .. فالفارق بين الشريط المقترح من الأراضي الاستثمارية وبين المسافات الحالية بين المجتمعات العمرانية الجديدة والعاصمة مثلا هو الذي يميز مصطلح "تصل" المذكور عن مصطلح "تفصل" ... وثانيهما : تأثير الموقع الذي سيحدد لهذه الأراضي ، علي الأراضي المحيطة بها من الجهتين ، جهة العمران القائم وجهة العمران المقترح ، ومراعاة ذلك في توقيع الأنشطة ، والتقديرات المادية المصاحبة لقيم هذه الأراضي العمرانية المحيطة.
حصر وقياس الاحتياجات والإمكانيات – وضع الحصان أمام العربة :
مثل بلاد أخري في العالم .. في بلادنا ... يبني الناس من محتاجي السكن تحت ضغط الظروف في عشوائيات – منتقدة من البعض – وهذا فعل ... ، ثم تقوم الحكومة في المناسبات – مشكورة – بتوفير ما تستطيع توفيره من خدمات لتحسين مستوي البيئة السكنية ... وهذا رد فعل ...، وفي بلادنا يشتري الناس من ذوي السلطة والمال الأرض خارج نطاق كردون المدينة أو يضعون أيديهم عليها تحت شعار الاستصلاح الزراعي ، ثم يبنون عليها قصوراً شاهقة – منتقدة من البعض – أو يقسمونها للمضاربة والبناء – في عشوائيات فاخرة – .. وهذا فعل .. ، ثم تقوم الحكومة في مناسبات أخري – !! – بتوفير الغطاء القانوني بضم هذه المناطق لكردون المدن كجوانب الطرق السريعة بين القاهرة والمحافظات مثلاً – .. وهذا رد فعل .. ، وفي بلادنا ترصد الدولة ميزانية للمشروع الإسكاني بنظام البناء الكامل – بل ومدن كاملة أحياناً- ، ولا توفرها أحياناً أخري .. وهذا فعل .. ، ثم تقوم الحكومة بتعديل التصميمات الفنية أوالشروط المالية للحصول علي الوحدات السكنية أوالأراضي المجهزة طبقا لما أسفر عنه في المرة الأولي ... وهذا رد فعل ... ، وهكذا ... وهذه السلسلة التي لا تنتهي من الأفعال وردود الأفعال ، والتي فرضت نفسها من خلال الأمرالواقع لسنوات طويلة ، وشكلتها ظروف المحيط السياسي والاجتماعي والاقتصادي وقوي السوق – البشرية في حالة الإسكان العشوائي للفقراء والمادية في حالة الإسكان العشوائي للأغنياء – ما هي إلا نتيجة منطقية للمدخلات التقليدية لسياسة الإسكان والتنمية ، وهي تعتمد أساساً علي التخطيط " للزبون المجهول" ، ومن خلال النسب المئوية التي يتم استنباطها عن طريق الدراسات المكتبية والاستطلاعات الميدانية لما يطلق عليه العينات النسبية من شرائح السكان ، والتي يتم علي أساسها التخطيط لاستيفاء إحتياجات هؤلاء السكان وفي ضوء إمكانياتهم التي يتم تقديرها بطرق تقليدية غير متفق علي دقتها !! وغالباً ما يتم التخطيط للعشوائيات التي تمثل معظم الإنجاز الكمي في مجال الإسكان المصري المعاصر بأثر رجعي أو بسياسة رد الفعل هذه أو بطريقة وضع الرتوش علي ما تم بالفعل تنميته .. وربما كانت هذه الصور مقبولة في حدود الإمكانيات البحثية المتاحة منذ عقود مضت .. أما الآن في عصر المعلوماتية وتطورعلوم الكمبيوتر أظن أننا جميعاً مقتنعون أن الأمر لا بد وأن يختلف ..!!.وفي الحقيقة فإذا كان هناك مجال واثق قادر علي إضافة الجديد في أي من قطاعاته الابتكارية في الزمن الذي استغرقته كتابة – بل قراءة هذه السطور – فهو مجال نظم المعلومات والكمبيوتر .. وإذا كان الحديث عن عنصر الكمبيوتر ونظم المعلومات حديث كل متخصص وأمل كل باحث في كافة فروع العلم فأنا أراه الحاضر الغائب في حالتنا هذه في مجال التنمية العمرانية ، فهو الحلقة المفقودة في النظم الحالية التي تتعامل مع السكان وطالبي السكن كأسرار مغلقة متشابهة الخصائص – إلا قليلاً – وهو العامل المشترك الحاضر في كافة ما يقترحه المشروع من عناصر في تقييم التنوع في الأراضي ، وفي تقييم الإمكانيات المتاحة للأفراد والكيانات المشاركة، بما يتيح فعالية حقيقية في تحقيق المنظومة المستهدفة التي يكمن أهم مولدات فعاليتها في استثمار التنوع الشديد بين عناصرها.
وإذا شئنا التطرق بإيجاز إلي المنهج المقترح لمعالجة القصور الحالي في هيكلة عملية اتخاذ القرار فنقول أن البداية الطبيعية هي رسم مستويات متدرجة من القرارات المتعلقة بميكانيكية التنمية العمرانية.. – وهذه الميكانيكية هي نطاقنا المستهدف بالتطوير – ، ولكل مستوي من هذه القرارات يتم تصميم شكل المعلومات المطلوبة التي تشبع احتياجات متخذ القرار، وطرفا المعلومة المتكاملة المفيدة والمستهدفة في حالتنا هذه اثنان : الاحتياجات والإمكانيات .. ومصدر معرفة الاحتياجات هو وظيفة علماء متنوعي الاختصاصات بين اجتماع وهندسة معمارية واقتصاد وخلافه ، ويمكن أن تصب هذه المعلومة في شكل استمارة تقليدية في هيئتها ومتطورة في محتواها ونظام تصميمها وتفريغها بأدوات تكنولوجية حديثة تتيح الدقة والسرعة والكفاءة – أما مصادر معرفة الإمكانيات فتستلزم خطوة مسبقة لتقدير وتصميم قوالب معينة تصب فيها التخصصات التقليدية للبناء والتنمية الحياتية لمجتمعاتنا المستهدفة، وتشمل هذه القوالب كافة التخصصات من الهندسة بفروعها إلي الزراعة والصناعة والتعليم والصحة .. بل والآداب والفنون وغيرها.. فهو مجتمع يطمح إلي الكمال المشروع، فلم لا نوفر له أدواته ؟؟ .. ويشمل تصميم هذه القوالب نطاقا متدرجاً من الخبرات وساعات العمل المعطاة والتخصصات بتقييمها المتنوع ، كما يشمل في مستوي آخر تقدير الإمكانيات المادية :" بدائل التمويل" كالمعدات ووسائل النقل والتجهيزات الفنية التي يمكن المساهمة بها في الإنجاز التصميمي والتنفيذي ومراحل الصيانة .. والحصيلة النهائية لذلك كله تفصيلاً متكاملاً – علي المستوي الفردي – أوالكيان المتكامل لمجموعة من الأفراد – للاحتياجات .. ومثالها المساحة وتوقيت البناء والموقع والتصميم المناسب ، و.. للإمكانيات ... ومثالها التخصص ووحدة الوقت المعطي ومداه والخبرة السابقة وإمكانيات التدرب والأجهزة الممكن استغلالها كالكمبيوتر أو المعدات كمعدات البناء أو وسائل النقل من السيارات والجرارات وخلافه .. وتمثل هذه المعلومة المتكاملة– علي مستوي الفرد أو الكيان المتكامل المشارك– الأساس الأهم واللبنة الأولي لاتخاذ قرار صحيح ورسم وتنفيذ مخططات فعالة في مشروعنا المقترح ، كما تمثل أولي وأهم خطوات جذب الناس للمشاركة الإيجابية بالفكر الخلاق وإعطاء المعلومة الصحيحة لتفيد في تكوين بنية معلوماتية أساسية هي العنصر الأهم مرحلياً في بناء مجتمعهم الجديد . والحصيلة هي سلسلة من المعلومات المتكاملة التي تجيب بوضوح علي تساؤلات مثل : ما هو نطاق الاكتفاء الذاتي الممكن تحقيقه من خلال مفهوم المشاركة المطروحة تفصيلاً في مشروعنا المقترح علي مستوي الحدود الطبيعية لأقاليم الدولة – أوهو سؤال ببساطة يتعلق بمدي كفاية المؤهلات البشرية والتمويلية لسد احتياجات مشروعنا وذلك لكل اقليم قائم بالفعل في وقتنا الحاضر – كاقليم الدلتا أو القناة أو العاصمة أو جنوب الصعيد مثلاً..؟ .. وهكذا .. وهو مثال لسؤال يتحكم في توجهات متخذ القرار نحو استكمال العجز في أي المؤهلات البشرية أو التمويلية من خلال خطط ارتقاء بهذه المؤهلات أو توسيع نطاق التكامل بين الإقليم المستهدف وبين الأقاليم الأخرى، ويتدرج هذا الاستقصاء من خلال نظم معلومات متطورة ليصل إلي مستوي المجاورة السكنية الواحدة وتحقيق التجانس بين عناصرها..
والجديد الذي نطرحه هنا – خلافا للأساليب التقليدية – هو أن تكون عملية الاستقصاء المعنية قائمة علي أساس وحدة معلوماتية تمثلها البيانات الشخصية لكل مشارك .. نعم .. فالفرد من خلال اسمه الرباعي – تحية إلي مشروع الرقم القومي الذي طال انتظاره – هو المستهدف بشخصه ، وليس مجرد شخص كل توصيفه أنه محدود الدخل أو خلافه أيا من كان .. وهو – هذا التكامل المعلوماتي وإمكانيات التصنيف المركب والعمليات الاحصائية المتطورة – ترف حملته لنا مؤخرا تطورات نظم المعلومات الحديثة .. ولمن يتساءلون عن الخطوط العريضة للتنفيذ ، أقول أنها تبدأ بهذا الاستقصاء الميداني الشامل أولا – من خلال دعوة الناس وارشادهم لملء الاستمارات المصممة وإرسالها – ، ومن ثم إسقاط نتائجه علي الخرائط العمرانية التي ستحمل نتائج كلا من استقصاء الاحتياجات العمرانية والإمكانيات المتاحة للأفراد من ناحية والطبقات التقديرية لقطع الأراضي من ناحية أخري ... والتلاقي الصحيح بين كلا العنصرين هو معيار النجاح للتصميم المقترح كميكانيكية تنموية تصلح لأن نطرحها بعدها للمتخصصين في مجال تخطيط المدن – بمفهومه الحالي كتصميم فني للمجاورات السكنية تدرجاتها الأعلى حتى مستوي المدينة – وذلك علي أسس تخطيطية سليمة ، أيا ما كان الفكر التخطيطي الحاكم للمرحلة التالية .. وبمثل ما نخطط به للتنمية العمرانية الجيدة نخطط أيضا للإسكان القائم ومقترحاتنا لتكامل خطط دمجه بالمشروع المقترح .. ولشرح أبعاد هذا الفكر العريض لقياس الاحتياجات والإمكانيات تفاصيله الفنية الكثيرة التي تمثل جوهر المشروع ذاته عند طرحه للمتخصصين .
هذه ورقة عمل لمشروع مقترح نمت أفكاره عبر سنوات من البحث والدراسة المتخصصة والإطلاع المتنوع .. لا أقدمها كخطة وقائية من الزلازل ، ولا كورقة بحثية بمناسبة مؤتمر قمة المدن ، ولا كإجابة تتوافق مع طموحات تنموية سطرتها أقلام وطنية عزيزة .. ولكن ... لكل هذه العناصر وغيرها إسقاطاتها شديدة الأهمية ، مما لا يسعني تجاهله .. وأطرقه هنا بإيجاز ..
الزلزال..
زلزال أم تجارب نووية إسرائيلية !! المحصلة في موضوعنا واحدة .. فيبدو أننا نحتاج إلي تغيير في نمط مساكننا، لتتواكب مع التغيير في نمط الطبيعة الزلزالية– الصناعية أوالطبيعية – .. فلا يستطيع مكابر أن يزعم الآن أننا بمنأي عن الأخطار الزلزالية التي لا يعلم مداها إلا الله تعالي .. وهي أخطار وضعت الإسكان العشوائي والقديم والأبراج الفاخرة والخوف والرجاء في سلة واحدة .. إلا قليلا .. وهذه دعوة لأن نعقلها قبل أن نتوكل !! .. وربما يمثل التفريغ السكاني الاختياري من خلال المشروع المقترح خطة وقائية لثروات مصر البشرية والمادية علي المدي القريب جدا نسبياً ، فالتعديل الذي أعلن حديثا في كود المباني في هذا الشأن يمثل اعترافاً بهذه الحقيقة للمشكلة ، وقد جاء حاملا الحل لمشكلة المباني الجديدة ، ولم نسمع حتى كتابة هذه الورقة – عن نوايا لمعالجة المشكلة الخاصة بالاسكان القائم ، الأكثر عرضة للمخاطر بطبيعته وعمره الافتراضي وأوضاع صيانته ووضعها كاحدي طبقات المعلومات علي خرائطنا العمرانية المقترحة بنظم المعلومات الجغرافية الحديثة باستخدام الكمبيوتر، ويتوازي مع هذا الرصد للواقع الانشائي اقتراح حوافز جديدة توضع في الاعتبار عند تنشيط التفاعل بين البشر والتنمية العمرانية كما سبق ذكره..
وخاتمة هذه الجزئية أن اليابان تفكر في نقل عاصمتها من مدينة طوكيو لأسباب شبيهة – مع الفارق – بالواقع العمراني في مصر ... والنقل يكون أحياناً لاحدى جوانب العاصمة .. كالتجارية أوالمالية أو الإدارة الحكومية .. ولا مزيد من التعليق علي هذه النقطة ونفوسنا جميعاً لا تزال تعيش لحظات الزلزال..
مؤتمر قمة المدن ..
تجئ مؤتمرات وتروح مؤتمرات ثم ينفض السامر ولا جديد تحت الشمس .. هذه هي وجهة نظر البعض تجاه موضوع المؤتمرات ... ولست منهم ..
إن مؤتمرا كقمة المدن المزمع عقده في تركيا الصيف القادم إن شاء الله تعالي هو فرصة سانحة – وليس هدفا – لتقديم رؤية جديدة ، تترجم تطلعات بلادنا لواقع عمراني أفضل ، واستثمار هذا التجمع المشهود لاستقطاب التأييد الفني والمعنوي والمادي لجوانب المشروع المقترحة ووضعه في الإطار العالمي الذي يتفاعل بمقتضاه فكر وتجارب الآخرين مع فكرنا وتجربتنا المنشودة .. والموضوع كله توافق في المناسبات بين توقيت طرح هذا الفكر المقترح وانعقاد المؤتمر المذكور ... لعله يضيف جديداً نافعاً يجد مكانا تحت الشمس – ونرجو من الله تعالي أن يكون كذلك ! – ...
فكر واحد...
علي الرغم من أن الجذور الرئيسية لهذا الفكر – بالنظر إلي طبيعة عملي الأساسية – هي دراسات متخصصة أكاديمية عالمية ومحلية وأبحاث ميدانية ، شملت الكثير من التجارب العالمية والمحلية ، بما يغطي معظم المشروعات التجريبية التي شملتها الجهود الرسمية وغير الرسمية علي مدي العقود القريبة في مصر ... إلا أن توافقا في الفكر قد تراءي لي عبر قراءاتي الحديثة نسبياً ، ولم أشأ أن أمر عليه مرور الكرام .. ففكرة المشروع القومي في إجمالها – لأي تخصص – هي مما يشغل بال الكثيرين دوما ، ويتراءي لي أن افتقادها – ولو جزئياً – في بعض الأوقات يزيد من فرص الإلحاح عليها في أذهان المتخصصين في كل مجال .. وقد قرأت ملامح لهذا الفكر بشكل أو بآخر في العديد من الكتابات والمناسبات لأعلام الفكر في بلادنا .. ولنضرب مثالاً واحداً بكتابات متنوعة بجريدة "الأهرام" عبر عدة شهور – بل وبعضها لأيام انقضت – .. فقد عبرت عن ملامح المشروع القومي الدكتورة / نعمات فؤاد وكأنها كانت تكتب وعينها علي ورقتها هذه في مجملها .. ، وعبر عنه الرأي العام بتنوع تساؤلات الشباب والمحنكين من القراء والكتاب في أبوابهم الثابتة كالأساتذة / صلاح منتصر وعبد الوهاب مطاوع وأحمد بهجت وميلاد حنا ومحمود مراد وثروت أباظة وغيرهم من الأعلام .. وفيهم من يتساءل عن جدوي الغربة وإنفاق السنين في جمع مائة ألف جنيه إذا لم توفر له سكنا لائقا !! .. ، فيما يعبر أحد أساتذة المهندسين الكبار عبر هذه الحوارات عن نظرة غير متفائلة بامكانيات التطوير .. علي الأقل في القريب العاجل ..، وغير ذلك كثير مما احتوته صفحات كالشباب والعمران والتنمية والصفحات البرلمانية .. بل إن استاذا في الزراعة – في سياق تحقيق صحفي– قد طرق أبوابا هامة مما تناولناه – عن تكامل الأنشطة والمقياس المناسب – عندما تساءل مستنكراً في جملتين عن جدوي اشتغال ممرضة في استصلاح الأراضي– وغالباً بمقياس الخمسة أفدنة المعتادة – ونصـــح بأن تسد هي في مهنتها الأصلية التي تعاني من العجز أصلاً ..!!، بل وتناول أيضاً جزئيات هامة من هذا الموضوع من زوايا مختلفة كتاب متخصصون في نواحي أخري كالأستاذ / محمد سيد أحمد في تطرقه السريع – منذ فترة – للنظم المستقبلية المتطورة للمشاركة السياسية والمجتمعية التي تعتمد علي التكنولوجيا الحديثة ، ومثله الكاتب المتخصص – عبر منابر إعلامية أخري – الأستاذ جمال عنايت في نقطة أكثر التصاقاً بموضوع التنمية العمرانية .. ، ناهينا عن الاهتمام الملحوظ للدكتور/ سعد الدين إبراهيم بالمشاركة المجتمعية عبر الجمعيات الأهلية .. ، وقبل ذلك كله – ولا عجب – نقرأ للأستاذ / فهمي هويدي مقالا عن سراييفو تحت الحصار ووصفه – في سياق ذلك – لاحدي أكثر الأشكال تجريدية عن مجتمع معاصر يدار – لعدة سنوات – في ظل أدني الإمكانيات وأقصي درجات المشاركة المجتمعية .. أهدانا فيه صورة البشر يقتسمون كوب الماء بين احتياجاتهم للشرب واحتياج قوتهم من مزروعاتهم البسيطة للحياة – فيما تبقي من حدائق منازلهم – .. وأهديها بدوري للمتعمقين في مجال توفير الاحتياجات المائية في إطار مشروعنا المقترح – وكيف تنمو روح المقاومة للهزيمة في ظل أصعب الظروف ، وكيف تنشأ أشكال كاملة من النظم الحياتية كالتعليم والصحة والإعلام وغيرها تحت أقصي الضغوط .. ألا هو محاولة تدمير أمة بأكملها– وليس حتى مجرد حرب حدود أو خلافه– ...
عود علي بدء
وأنا أسطر السطور الأخيرة في هذه الورقة طالعت في جريدة – في سياق وجهة نظر – ما أغراني بالتأمل قليلاً .. أن ٧٢٪ من تصريحات ومقترحات رئيس الجمهورية علي مدي خطبه العامة وبياناته وأحاديثه الإعلامية – عبر ١٤ عاما – ، وكذا ٩٢٪ من البيانات الرسمية لسيادته ، قد تناولت قضية الإسكان من بين القضايا المصيرية التي أهتم بها أكبر مسئول فى الدولة .. ناهيك عن الجهود الفعلية المضنية والاجتهادات التي طرحت لمواجهة هذه المشكلة المركبة والمتشعبة . ويسهل علي أي مهتم بهذا الموضوع أن يدرك مدي تراكم القضايا المصيرية في إطار التنمية العمرانية – المفهوم الأشمل من الإسكان – من خلق فرص العمل وقنوات الانتاج وتطوير البنية الأساسية البشرية والمادية والخدمية بأشكالها المختلفة من تعليم وصحة وخلافه ، وليرجع من يشاء إلي خطاب السيد الرئيس في افتتاح البرلمان الجديد وقد قدم هذه النواحي في باقة واحدة متكاملة شكلت في مجموعها إطارا لاستيعاب اجتهادات متعددة للتطوير ، نرجو أن تحظي مقترحاتنا من خلالها بشرف النظر والاعتبار والتجربة.ومن بين عشرات المواضع في ورقتنا هذه أختار – عامداً – هذا الموضع لأطرح فيه بإيجاز تصوراً افتراضيا لما يقرب من ثلاثين مليون مشارك في المشروع المقترح في مراحله الأولي – علي مدي السنوات الخمس القادمة – قد ساهموا تمويليا بمبلغ جنيه واحد عن كل مترمن الأرض الموزعة بواقع الفين متر مربع – نصفها ملكية خاصة .. كحد أدني – ، أي يقتطع المشارك في المشروع جنيهاً واحداً يومياً من مصروفاته علي مدي الخمس سنوات المذكورة لتمويل ما لابد من تمويله من جوانب المشروع .. إن الحصيلة المبدئية للتمويل من هذه الجزئية تتخطي بصورة إجمالية حدود الخمسين مليارمن الجنيهات !! .. إنها نفس الطاقات الهائلة للمجموع التي نحاول استثمارها .. – ولا يعني هذا مطلقاً ارتباط التمويل المقترح بالتصور الافتراضي السابق .. فإمكانيات التمويل متعددة وقد طرقنا بعضها في سياق هذه الورقة بإيجاز ، مما يلزم بحثه تفصيلاً علي ضوء ما يتوفر للمشروع من إمكانيات واقعية–..
ولكي لا يتوه من أحد الموضوع أختتم هذه الورقة الموجزة موضحاً..
أنا لا أتحدث عن نقد مجرد لسياسات الاسكان القديمة والقائمة ، ولكني أتحدث عن تطور طبيعي في نمط معالجتنا لمشاكل الاسكان والتنمية علي ضوء المتغيرات الحديثة..
وأنا لا أتحدث عن نقض بناء ساهمت في تكوينه طبقة من الطبقات – ولو علي سبيل المضاربة، أوعشوائية التخطيط – ، ولكني أتحدث عن استثمار هذا البناء في إطار حل شامل .
وأنا لا أتحدث عن ملايين الشباب يؤدون أعمال البناء المباشرة ، ولكني أتحدث عن ميكانيكية للتنمية العمرانية تستوعب وتوجه طاقات وتخصصات الشباب في طليعة كافة أفراد الشعب .. كل في مجاله.
وأنا لا أتحدث عن منتج نهائي من المباني فاخرة التشطيب ، ولا علي النقيض طوفان من المستوطنات العشوائية ، ولكني أتحدث عن مجتمع هائل المساحة ومتدرج النمو، ولكن في إطار مدروس ومخطط ، يحتمل أفخر أنواع البناء منذ البداية في مناطق منه ، كما يتحمل أيضاً بناء مرحلي علي أسس هندسية وجمالية سليمة في مناطق أخري .
وأنا لا أتحدث عن قالب واحد يصب فيه المشروع كتنظيم أو تنفيذ أو منتج نهائي ، ولكني أتحدث عن ميكانيكية للتنمية العمرانية تستوعب أشكالاً متنوعة من التنظيم والتنفيذ والإنتاج تنوع أطرافها المشاركة..
وأنا لا أتحدث عن صورة نهائية من خلال هذه الورقة ، ولكني أتحدث عن خطوط عريضة أكثر ملامحها في متناول أيدينا ..، وأنا لا أضع اللبنة الأخيرة للمشروع بهذه الورقة ، ولكني فقط أضع حجر أساس .. ولكافة المهتمين والمعنيين أن يساهموا في البناء ..، وأنا لا أطمح – مبدئياً – من وراء هذه الورقة إلا إلي ضوء أخضر .. لنواصل سويا المسيرة ونبلور تفاصيل هذه المقترحات .. والله تعالي الموفق.

